القائمة الرئيسية

الصفحات

مبادلة الجنيه بالدرهم.. مصر والإمارات تعززان جبهة العملات المحلية في مواجهة ضغوط الدولار بقلم الدكتور عادل عامر


في خطوة تعكس تطورًا لافتًا في العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والإمارات، جدد البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي اتفاقية مقايضة العملات المحلية بين الجنيه المصري والدرهم الإماراتي، بقيمة اسمية تبلغ 5 مليارات درهم إماراتي، بما يعادل نحو 69 مليار جنيه مصري، ولمدة خمس سنوات.


وتأتي هذه الخطوة في توقيت شديد الأهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي والإقليمي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتقلبات أسواق الطاقة والسلع، وارتفاع تكلفة التمويل، والضغوط التي تواجهها العديد من الاقتصادات نتيجة الحاجة إلى العملات الأجنبية.

والأهم من القيمة المالية للاتفاقية هو دلالتها الاقتصادية؛ فهي تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والتسويات المالية الثنائية، وتقليل الحاجة إلى استخدام العملات الدولية كوسيط في جزء من المعاملات بين البلدين. وقد أكد البنكان المركزيان أن الاتفاقية تستهدف دعم التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون المالي والمصرفي بين مصر والإمارات.

اتفاقية تتجاوز فكرة تبادل العملات

قد يبدو مفهوم مقايضة العملات للوهلة الأولى مجرد عملية فنية بين مصرفين مركزيين، إلا أن دلالته الاقتصادية أوسع من ذلك. فالمقايضة تتيح للبنكين المركزيين توفير سيولة بالعملتين المحليتين وفق شروط الاتفاقية، بما يخلق قناة مالية يمكن استخدامها لدعم التسويات التجارية والاستثمارية بين البلدين. وبذلك، فإن المستورد أو المستثمر الذي تربطه معاملات اقتصادية بالطرف الآخر يمكن أن يستفيد من وجود آلية مالية تسمح بتوسيع التعامل بالجنيه والدرهم، بدلًا من المرور بالضرورة عبر الدولار أو عملة دولية أخرى في كل عملية.

وهنا تظهر أهمية الاتفاقية باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل خريطة المدفوعات الدولية، وليس باعتبارها مجرد رقم جديد في البيانات المالية.

لماذا تحتاج مصر إلى توسيع التعامل بالعملات المحلية؟

الاقتصاد المصري يرتبط بحركة واسعة من الواردات والاستثمارات والتجارة الخارجية، وهو ما يجعل توافر العملات الأجنبية عنصرًا مهمًا في إدارة النشاط الاقتصادي.

وفي هذا السياق، فإن توسيع نطاق التسويات بالعملات المحلية مع الشركاء التجاريين يمكن أن يوفر بديلًا إضافيًا لبعض المعاملات الثنائية.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن الدولار أو العملات الدولية، وإنما يعني تنويع أدوات التسوية وتقليل الاعتماد على عملة وسيطة عندما تسمح طبيعة المعاملة بذلك. وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في ظل ما أشار إليه البنك المركزي المصري في سبتمبر 2026 من استمرار المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية وتقلبات سلاسل الإمداد.

69 مليار جنيه.. ماذا يعني الرقم؟

تبلغ القيمة الاسمية لاتفاقية المقايضة الجديدة 5 مليارات درهم إماراتي، بما يعادل 69 مليار جنيه مصري، وتمتد لخمس سنوات. لكن من المهم التفرقة بين القيمة الاسمية لخط المقايضة وبين اعتبار المبلغ تدفقًا نقديًا مباشرًا إلى الخزانة المصرية أو احتياطي النقد الأجنبي.

فالاتفاقية هي آلية مالية بين البنكين المركزيين، وليست منحة أو إيرادًا جديدًا للموازنة العامة، كما أن الاستفادة منها ترتبط بعمليات السحب والاستخدام وفق الشروط المحددة بين الطرفين.

ومن ثم، فإن تقييم أثر الاتفاقية يجب ألا يقتصر على رقم الـ69 مليار جنيه، وإنما على مدى نجاحها في زيادة حجم التسويات بالعملات المحلية وتسهيل التجارة والاستثمار.

الدولار لن يختفي.. ولكن البدائل تتوسع

من الخطأ الاقتصادي النظر إلى اتفاقيات مقايضة العملات باعتبارها إعلانًا عن نهاية عصر الدولار.

الدولار ما زال يحتفظ بدور محوري في التجارة والتمويل والأسواق العالمية، ولذلك فإن التحول الجاري لا يتمثل في إلغاء العملات الدولية، وإنما في خلق بدائل إضافية.

وهذه البدائل تمنح الدول مساحة أكبر لإدارة معاملاتها الخارجية وفق ظروفها الاقتصادية، وتساعد على توزيع مخاطر الاعتماد على عملة واحدة.

وفي الحالة المصرية الإماراتية، فإن استخدام الجنيه والدرهم في التسويات الثنائية يمكن أن يمثل خطوة عملية في هذا الاتجاه، خصوصًا مع قوة العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.

الإمارات.. شريك مالي واستثماري رئيسي لمصر

لا تنفصل الاتفاقية النقدية عن حجم العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وأبوظبي.

فالإمارات تمثل أحد الشركاء الاقتصاديين والاستثماريين المهمين لمصر، كما شهدت السنوات الأخيرة تطورًا في التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والعقارات والبنية الأساسية والخدمات المالية.

ومن هنا فإن وجود بنية نقدية ومصرفية أكثر مرونة يمكن أن يساعد في دعم هذه العلاقات، لأن الاستثمار والتجارة لا يحتاجان فقط إلى رؤوس الأموال، وإنما يحتاجان أيضًا إلى أنظمة دفع وتسوية فعالة وآمنة وقابلة للتوسع.

من الدولار إلى منظومة متعددة العملات

العالم الاقتصادي يتجه بصورة متزايدة نحو تنويع قنوات التجارة والمدفوعات.

فعدد من الاقتصادات بات يبحث عن توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وتطوير أنظمة الدفع العابرة للحدود، وتقليل تكلفة التحويلات والتسويات.

وفي هذا السياق، تأتي اتفاقية مصر والإمارات ضمن اتجاه أوسع نحو بناء منظومة مالية متعددة القنوات، بحيث لا تكون كل معاملة تجارية أو استثمارية مرتبطة بصورة مباشرة بالعملة الأمريكية.



وهذا التحول لا يحدث بصورة مفاجئة، وإنما يتطلب تطوير البنية المصرفية، وربط أنظمة الدفع، وتوفير السيولة، وإدارة مخاطر أسعار الصرف، ووجود ثقة متبادلة بين المؤسسات المالية.

انعكاس محتمل على التجارة والاستثمار

من أبرز النتائج المتوقعة من الاتفاقية تسهيل جزء من عمليات التجارة والاستثمار بين البلدين.

فكلما أصبحت التسويات بالعملات المحلية أكثر سهولة، أمكن تقليل بعض تكاليف تحويل العملات، كما يمكن أن تتراجع الحاجة إلى تدبير عملة ثالثة لإتمام بعض المعاملات الثنائية.

لكن تحقيق هذه الفوائد على نطاق واسع يتوقف على حجم التجارة التي ستتم تسويتها فعليًا بالجنيه والدرهم، وعلى استعداد البنوك والشركات لاستخدام هذه الآلية، وعلى تكلفة التحوط من تقلبات أسعار الصرف. وبالتالي فإن نجاح الاتفاقية لا يقاس بحجم خط المقايضة فقط، وإنما بمعدل استخدامه وتأثيره الفعلي في حركة التجارة والاستثمار.

الاستقرار المالي في مواجهة الأزمات

أحد أهم أبعاد الاتفاقية هو تعزيز أدوات مواجهة الأزمات.

فعندما تواجه الأسواق العالمية اضطرابات في السيولة أو ارتفاعًا في تكلفة التمويل أو صدمات في أسعار الطاقة، تصبح قدرة البنوك المركزية على توفير أدوات إضافية لإدارة السيولة عنصرًا مهمًا في حماية الاستقرار المالي.

وقد أكد محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي أن تجديد الاتفاقية يسهم في دعم الاستقرار المالي وتيسير العمليات التجارية والاستثمارية، بينما أكد محافظ البنك المركزي المصري أنها توفر أداة لتعزيز التعامل بالعملات المحلية في التسويات التجارية والمالية وزيادة مرونة الأسواق المالية.

مصر أمام فرصة لتوسيع شبكة التسويات المحلية

الخطوة المصرية الإماراتية يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو توسيع شبكة التسويات بالعملات المحلية مع عدد أكبر من الشركاء، خصوصًا الدول التي تتمتع مصر معها بحجم كبير من التجارة والاستثمار. لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشمل تطوير أنظمة الدفع، وتعزيز دور البنوك المصرية، وتوسيع أدوات التحوط، وزيادة الثقة في آليات التسوية، وربط التجارة الفعلية بالترتيبات النقدية.

فالعملة المحلية تصبح أكثر فاعلية في التجارة الدولية كلما ارتبط استخدامها باقتصاد حقيقي قادر على إنتاج وتصدير وجذب الاستثمار.

التحدي الحقيقي: تحويل الاتفاقية إلى معاملات فعلية

التحدي الأساسي أمام اتفاقيات مقايضة العملات ليس توقيعها، وإنما تحويلها إلى استخدام اقتصادي واسع. وهنا تظهر أهمية أن تعمل المؤسسات المالية والشركات على الاستفادة من الآلية في تسوية التجارة والاستثمار، مع وضع أدوات واضحة لإدارة مخاطر أسعار الصرف والسيولة.



كما أن نجاح التجربة يحتاج إلى استمرار التنسيق بين البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات المركزي، وتطوير البنية المصرفية والرقمية التي تسمح بتسوية المدفوعات بكفاءة وسرعة.

الجنيه والدرهم.. خطوة في طريق استقلالية أكبر للقرار المالي

إن تجديد اتفاقية المقايضة بين مصر والإمارات لا يعني فك الارتباط بالنظام المالي العالمي، بل يعكس محاولة لبناء هامش أكبر من المرونة داخل هذا النظام.

فالقوة الاقتصادية في عالم اليوم لا تقوم فقط على حجم الاحتياطيات أو معدل النمو، وإنما تعتمد كذلك على امتلاك أدوات متعددة لإدارة التجارة والمدفوعات والسيولة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الجنيه والدرهم باعتبارهما جزءًا من شبكة مالية ثنائية يمكن تطويرها تدريجيًا، بما يدعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.

الخاتمة

إن تجديد اتفاقية مقايضة الجنيه المصري بالدرهم الإماراتي بقيمة 5 مليارات درهم، تعادل 69 مليار جنيه، ولمدة خمس سنوات يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير العلاقات النقدية والمالية بين القاهرة وأبوظبي. لكن القيمة الحقيقية للاتفاقية لن تتحدد فقط بحجمها المالي، وإنما بقدرتها على الانتقال من اتفاقية نقدية بين بنكين مركزيين إلى أداة عملية تخدم التجارة والاستثمار وتقلل تكلفة التسويات وتزيد مرونة النظام المالي.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات الجيوسياسية، وتتقلب فيه أسعار الطاقة، وتتغير فيه خريطة التجارة العالمية، يصبح تنويع أدوات الدفع والتسوية ضرورة اقتصادية أكثر منه خيارًا.

ومن هنا، فإن مبادلة الجنيه بالدرهم يمكن أن تمثل نموذجًا لتعاون عربي أوسع في مجال العملات المحلية، وبناء منظومة مالية أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الصدمات، مع الإبقاء على الانفتاح الكامل على النظام المالي العالمي.

فالمعركة الاقتصادية المقبلة ليست معركة إلغاء عملة لصالح أخرى، وإنما معركة امتلاك أكبر قدر ممكن من الأدوات والبدائل التي تمنح الاقتصاد قدرة أعلى على الحركة والصمود.

تعليقات

التنقل السريع