![]() |
| د. عبدالعزيز آدم عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية |
النجم؛ -ذلك المخلوق المعجز- دورة حياته عبارة عن رحلة عجيبة تدعو إلى الكثير من التأمل والتفكر. إنه كأي مخلوق تبدأ دورة حياته بالميلاد وتمر بتحديات الحياة ذاتها إلى أن يصل إلى النهاية والاندثار. لكن أعمار النجوم متفاوتة، تُقاس بملايين وبعضها بمليارات السنين بمقياس السنة الأرضية.
كيف تولد النجوم:
الأمر في مجمله عبارة عن عملية كيميائية وتفاعلات معقدة وصراع بين الجاذبية والتنافر، سأحاول تبسيطها واختصارها قدر الإمكان.
يولد النجم من شيء يشبه السحب التي تتكون بين النجوم وتسمى (سديم Nebula). مصدر هذه السحب الكونية هو الغازات والغبار الناتج عن النجوم المحيطة بالسديم، أو نتيجة انفجار نجوم أخرى (بعد وصول عمرها إلى النهاية). وكأنه مع نهاية حياة كل نجم أو مجموعة نجوم، تولد نجوم أخرى لتكمل دورة الحياة واتزان هذا الكون المعجز.
وهذه السدم (التي تشبه السحب كما ذكرت) هي أجمل ما يمكن أن تشاهده في أرجاء الكون بأكمله، لما لها من ألوان جذابة وبريق مبهج، فهي تتوهج باللون الأحمر والأزرق والأخضر وتلتف بمزيج رائع من الألوان المنعكسة من أضواء النجوم، نتيجة تأين الغاز المحيط بها بتأثير الأشعة فوق البنفسجية القادمة من النجوم. وهذه السدم موجودة بشكل دائم في مجرتنا درب التبانة، وهي في حالة دوران مستمر حول مركز المجرة، وتستغرق دورتها الواحدة ٢٥٠ مليون سنة أرضية. ودورانها الدائم هذا مهم جدًا لتحافظ على زخمها وطاقتها واستعدادها المستمر لتكوين نجوم جديدة، علاوة على دورها في تماسك المجرة برغم توسعها وتباعدها المستمر.
إذًا، النجم ببساطة يولد من تلاحم السدم (سحب من غبار وغازات النجوم الأخرى، وجزء منها من الغبار الناتج عن الانفجار العظيم في بداية نشأة الكون) التي تتمازج وتتفاعل لتكون نواة ملتهبة تصل درجة حرارتها إلى ملايين الفهرنهايت، وتتسبب في تمدد الغازات من حولها. وتجتمع هذه الغازات الملتهبة برغم تمددها حول مركز النجم (النواة المستعرة) بسبب جاذبيتها المهولة، لتكون النجم الذي نعرفه. وتستمر حياة النجوم منذ لحظة ولادتها في صراع رهيب مستمر إلى أن تبلغ نهايتها المحتومة. والعجيب في الأمر أن سبب ولادتها وسبب معاناتها هو نفس الشيء (وهي الجاذبية). فقد تكونت النجوم عن طريق نواة مستعرة جاذبة للسديم، ونتيجة هذه الحرارة المرتفعة تتمدد الغازات حول مركز النجم لتقاوم الجاذبية الرهيبة. أي أن الصراع هنا مستمر بين التمدد والجاذبية - التي كانت هي أصلًا سبب وجود النجم - إلى أن يصل النجم إلى مرحلة الاستقرار عندما تتساوى قوة الجاذبية مع معدل التمدد. ولكن مهلاً، مرحلة الاستقرار هذه لا تعني أبدًا أن النجم لا يعاني، لأنه مجرد استقرار ظاهري، لكن الصراع بين الجاذبية الرهيبة من النواة في مركز النجم والتمدد المهول على سطح النجم مستمر على مدى حياته التي تبلغ عشرات أو مئات المليارات من السنين. هذا يشبه كثيرًا الإنسان الذي تراه مستقرًا ظاهرًا، ولكنه يعاني صراعات بداخله لا يشعر بضراوتها وآثارها إلا هو ذاته.
عمر النجوم:
يتوقف عمر النجم وصفة نهاية حياته بالأساس على حجمه، فالنجوم الأكبر حجمًا، والتي تزيد عن كتلة شمسنا بعشرات أو مئات وربما ملايين المرات، هي الأقل عمرًا (وعندما أقول أقل عمرًا في حسابات أعمار النجوم نحن نتكلم هنا عن عدة مليارات من السنين الأرضية). والنجوم الأقل حجمًا من شمسنا يطول عمرها إلى عدة مئات المليارات من السنين. شمسنا تعتبر من النجوم المتوسطة، والتي سيبلغ إجمالي عمرها بالحسابات الفلكية ما يقرب من ١٠ مليارات سنة، انقضى نصفها منذ ولادة الشمس، ويتبقى ٥ مليارات أخرى قبل أن تستهلك مخزون طاقتها وتضمحل لتصل إلى الأفول والزوال.
نهاية النجوم:
النجوم التي تزيد كتلتها عن كتلة شمسنا ٧ مرات فأكثر تكون عرضة لأن تنهار بعد نفاد مخزونها من الطاقة الناتجة عن الوقود المحترق بداخلها (الهيدروجين). وتبدأ في الانكماش والانجذاب لذاتها بقوة وسرعة مهولة لا تملك إزاءها أي طاقة للتمدد والتباعد لمقاومة هذه الجاذبية المهولة من مركز النجم، لتنهار بعدها وتتحول في النهاية إلى ثقب أسود يجذب كل شيء من حوله حتى الضوء، ليصبح نقطة سوداء تجذب بقوة مهولة كل الأجرام والطاقة الكونية المحيطة بها. وفي هذا السيناريو يتضح أنه في النجوم العملاقة تنتصر جاذبية مركز النجم على الطاقة الناتجة عن تمدده، فينكمش ويضمحل على ذاته ليتحول إلى ثقب أسود.
السوبر نوفا:
السيناريو الآخر لنهاية النجم يحدث في النجوم الأقل حجمًا والأطول عمرًا، وهو السيناريو الأكثر إثارة؛ ينتج عن انهيار الجاذبية الناتجة عن مركز النجم أمام القوة الناتجة عن تمدده نتيجة الحرارة المهولة المنبعثة من مركزه، وبذلك تنهار جاذبية مركزه. وعندها يحدث انفجار مهول يسمى بالمستعر الأعظم أو السوبر نوفا. ولك أن تتخيل أن الطاقة التي تنتج عن هذا الانفجار في ثوانٍ معدودة تساوي الطاقة التي تنتجها شمسنا على مدى حياتها! وهذا القدر المهول من الطاقة الناتجة عن السوبر نوفا لا يمكن للعقل البشري حتى تخيله بالأرقام. ولولا أنه يحدث في مجرتنا درب التبانة على بُعد ملايين السنين الضوئية (المسافة التي يقطعها الضوء في ملايين السنين)، لكانت الأرض والمجموعة الشمسية برمتها قد اندثرت بالكامل دون أي أثر يُذكر لها. ولكن من الجدير بالذكر أن نهاية هذه النجوم، سواء بالانكماش (التحول إلى ثقب أسود) أو بالانفجار لتكون السوبر نوفا، هي من أساسيات استقرار هذا الكون وتماسكه، ولا سيما في مجرتنا درب التبانة التي تُعتبر الثقوب السوداء فيها أوتادًا تعمل على اتزان معدل الجاذبية بين نجومها وكواكبها وأجرامها. وكذلك تعمل السوبر نوفا على مدها بالطاقة اللازمة لمعادلة الطاقة المنتشرة في كل أرجائها، وتكوين سديم (سحب نجمية) لولادة نجوم أخرى لتكتمل بها دورة حياة الكون.
النجم يشبهنا في الولادة، ثم الصراع المستمر للبقاء، ثم النهاية المحتومة عند نفاد قوته وقدرته على الاستمرار.
ويبقى السؤال: بعد كل هذه الشواهد المعجزة، كلما تدبرنا في هذا الكون المعجز، هل سيأتي على البشرية يوم تستطيع فيه الاستفادة من الطاقات اللامتناهية الموجودة في هذا الكون، مثل السوبر نوفا وغيرها؟ والأهم: هل عرف الإنسان قدره أمام عظمة خالق هذا الكون المعجز؟
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ صدق الله العظيم

تعليقات
إرسال تعليق