![]() |
| د .عبدالعزيز آدم عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية |
الأرض والكون إنه الكون المعجز، والذي كلما ازددنا فيه علمًا وإبحارًا، ظهر لنا جليا مدى جهلنا وعجزنا أمام هذا الخلق العجيب اللامحدود، الذي يتجاوز كل حدود وقدرات استيعاب عقل الإنسان المحدود.
كان الإنسان قديمًا بسيطًا في إدراكه، وبقدر بساطته كان يرى الكون على أنه أرض ثابتة تدور حولها الشمس والنجوم البعيدة.
ومرت السنون لنُدرك أن لا شيء ثابت في الكون، فالكل يسبح في فلك لا حدود له، وأن الأرض وكواكب المجموعة الشمسية وأقمارها وكويكباتها ومذنباتها وأجرامها جميعًا تدور حول الشمس. ثم نبحر أكثر لندرك أن الكون لا يتوقف عند المجموعة الشمسية وحسب، بل إن الشمس بدورها تدور حول مركز مجرّة نحن جزء ضئيل جدًّا منها – مجرّة درب التبانة – وأن شمسنا، التي هي سبب الدفء والحياة على كوكب الأرض والتي تتسع لأكثر من 1,300,000 أرض، إنما هي مجرد نجم قزم ضمن نجوم مجرة درب التبانة، والتي تحتوي على أكثر من 200 مليار نجم، أغلبها يفوق الشمس حجماً بآلاف بل وملايين المرات.
ثم ظنّ الإنسان أن الكون هو مجرّة درب التبانة وحسب، لكنه أبى إلا أن يبحر أعمق في هذا الكون المعجز ليكتشف عام 964م أن هناك مجرّة أخرى (أندروميدا) مجاورة لمجرة درب التبانة. وما لبث أن كرّس الإنسان ترسانته العلمية (المسابير والمحطات الفضائية) ليغوص أعمق من ذي قبل، فاكتشف أن الكون أكبر حتى من حدود تخيله. وفوجئ بأن مجرّة درب التبانة، التي نحن لا نمثل فيها أكثر من نقطة في محيط، ليست إلا أقل من نقطة في محيط الكون، وأن الكون المرئي يضم تريليونات المجرات التي يتعدى الكثير منها في حجمها مجرّة درب التبانة. وحين أقول “الكون المرئي” فهذا لا يمثل إلا نسبة ضئيلة مجهولة من حجم الكون الحقيقي.
كم هي ضئيلة تلك الأرض في هذا الكون المعجز، وكم نحن ضئيلون حجمًا وعلمًا أمام هذا الزخم والإعجاز! وكلما ازددنا تقدمًا وإبحارًا في هذا الكون العجيب، كلما أدركنا مدى جهلنا وضآلتنا.
الكون لا يسكن أبدًا:
الكون، بكل مجراته ونجومه وكواكبه وأجرامه السماوية، في حالة حركة وتوسع ودوران مستمر. لا شيء ثابت في الكون، كلٌّ في فلك يسبحون.
وبمقاييس التوقيت الأرضي؛ فإن الأرض تدور حول نفسها دورة كاملة في اليوم، وتدور حول الشمس دورة كاملة في العام. وتختلف مدة دوران الكواكب الأخرى حول الشمس باختلاف المسافة بينها وبينها، فنجد مثلًا أن السنة على كوكب عطارد (مدة دورانه حول الشمس) لا تزيد على 88 يومًا، بينما تتعدى السنة على كوكب نبتون 59 ألفًا و800 يوم يكمل فيها دورة واحدة حول الشمس.
أما الشمس، فبدورها “تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا”، إذ تدور حول محورها في مدة تستغرق نحو 25 يومًا، وتستغرق 230 مليون عام أرضي لتقوم بدورة واحدة حول مركز مجرّة درب التبانة (بما يشمل كواكبها). ومجرّة درب التبانة بدورها في حالة حركة وتوسع مستمر كغيرها من المجرات.
المسافات في الكون:
محيط كوكب الأرض لا يتعدى 30 ألف كيلومتر، وتُستخدم سرعة الضوء في قياس المسافات بين الأجرام الكونية.
الثانية الضوئية تعني المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية واحدة، وهي 300,000 كيلومتر/ث. وهذه السرعة الهائلة هي أكبر سرعة عرفتها البشرية حتى يومنا هذا، ولم يستطع الإنسان أن يصنع مركبات تضاهيها ولو بجزء ضئيل. لكن العجب أن هذه السرعة المهولة نفسها غير كافية مطلقًا للإبحار في هذا الكون المعجز.
إن أسرع جسم صنعه الإنسان حتى اليوم هو مركبة الفضاء أبولو 10، والتي بلغت سرعتها أثناء الهبوط أقل من 40 ألف كيلومتر/ساعة، أي أقل من 11 كيلومتر/ثانية، وهي سرعة لا تتجاوز 0.004% من سرعة الضوء. إنها سرعة ضئيلة جدًّا مقارنة بسرعة الضوء، وسرعة الضوء ذاتها أبطأ من سلحفاة في محيط الكون!
فلو افترضنا – جدلًا – أن الإنسان اخترع مركبة فضائية بسرعة الضوء، فإن الزمن بالنسبة لمن يستقلونها سيصبح صفرًا طبقًا لنظرية النسبية لأينشتاين. ولو تحركت المركبة بسرعة الضوء، فإن الرحلة من الأرض إلى القمر ستستغرق ثانية واحدة، وإلى الشمس 8 دقائق، وهو الوقت الذي يستغرقه ضوء الشمس للوصول إلى الأرض. وهذا يعني أن الشمس إذا اختفت فلن نرى ذلك إلا بعد 8 دقائق. كما يعني أن النجوم التي نراها متلألئة في السماء قد تكون اندثرت منذ ملايين السنين، وما نراه ليس إلا أثر ضوئها القديم الذي استغرق هذه المدة ليصل إلينا.
ولو أكملنا الرحلة، فالوصول إلى المريخ سيستغرق نحو 14 دقيقة بسرعة الضوء. أما الخروج من حدود المجموعة الشمسية نحو أقرب نجم (قنطور الأقرب)، فسيحتاج أكثر من 4 سنوات كاملة بسرعة الضوء دون توقف.
قنطور الأقرب قد تحيط به كواكب بدرجات حرارة مناسبة للحياة، ربما مأهولة بحضارات بدائية أو متقدمة، أو بكائنات عملاقة كالديناصورات، من يدري! وهو أقرب شمس لنا خارج المجموعة الشمسية، لكنه يظل بعيدًا بشكل لا يصدق.
أما مغادرة مجرة درب التبانة نفسها، فهي أشبه بالمستحيل؛ إذ تحتاج مركبة تسير بسرعة الضوء 100 ألف عام لتخرج منها فقط! ومع ذلك، فمجرّة درب التبانة لا تعدو أن تكون مجرّة صغيرة بين تريليونات المجرات الأخرى.
أرأيت حجمك أيها الإنسان في هذا الكون المعجز؟
“يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ۚ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ”
صدق الله العظيم

تعليقات
إرسال تعليق