
العشاء انفضّ، والمآذن أطفأت صوتها، والسوق يتثاءب كوحشٍ أنهكه النهار.
أبواب الدكاكين تُغلق ببطء، والكلوبات المعلقة تهتزّ مع نسمة الليل، تضوي وتخفت كأنها قلوبٌ خائفة من المجهول. رائحة العرق تختلط ببقايا الفاكهة والماء الراكد، وصوت خطواتٍ متباعدة ينساب بين الأزقة مثل همسٍ في صدرٍ مريض. حتى الصمت في السوق له ضجيج.
من شرفته العالية، جلس عبدالله طايع يتفرّج. الكرسي الخشبي يهتز تحت جسده، وكوب الشاي على الطاولة يرسل بخاره في الهواء. الليلة كانت كما يحبها تمامًا: لا بيع ولا شراء، بل حسابات تصنعها المعارك الصغيرة. ضحك وهو يرى عند ناصية السوق زحامًا يعلو صوته.
مدّ يده لصبيّه وقال: هاتلي كوباية شاي تانية يا واد يا داهش… شكلها ليلة دسمة. ثم أشعل سيجارته، وتابع المشهد بعينٍ تلمع مكرًا: لما الغلابة ياكلوا في بعض، السوق يرتاح… وأنا كمان. عند الطرف الآخر، كان عبد ربه عبد البر يعدّ صناديق الفاكهة. رجل قصير العنق، صوته عالٍ، وكأن الغضب يسكن صدره من يوم مولده.
مرَّ شاب نحيف، وجهه شاحب وعيناه تائهتان، اصطدم به دون قصد. اهتزّ الكلوب المعلق فوق الصناديق وسقط، فتطاير الزجاج وتناثر الضوء كشرارة حرب.
صرخ عبد ربه، والعصا في يده ترتجف: يا ابن الكلب! مش شايف قدامك؟ ولم ينتظر جوابًا، رفع عصاه وضربه مرتين كأنهما صفعتان من القدر. ارتدّ الشاب للخلف، والدم يسيل على وجهه، وركض لا يعرف أين يذهب. تعثر عند باب دكانٍ صغير، يجلس أمامه جابر أبو جلال، رجلٌ يعرف الخسارة كما يعرف اسمه، ويمضغ الغِلّ منذ سنين. رأى الدم، فابتسم وقال لنفسه: يا سلام… الرزق جالي برجليه.
نهض فجأة، وصفق بيديه وهو يصيح: يا رجاله! يا ولاد عمي! عبد ربه ضرب واحد مننا! لم تمر دقائق حتى كانت الأزقة تضجّ برجالٍ يحملون العصيّ والشوم.
جماعة "الهِلّة " من أبناء سوهاج من جهة، جماعة "الزرابي" من أبناء أسيوط من الجهة التانية. الأقدام تدقّ الأرض، والغبار يعلو، والشتائم تتطاير كالرصاص. في المقابل، كان عبد ربه يلمّ رجاله ويصرخ: الليلة نوريهم مين سيد السوق!
اشتعلت الدنيا. الكلوبات تهتزّ في الهواء، والنور يرقص على وجوهٍ ملطخة بالدم. صوت الشوم والحديد والأنين يعلو على كل شيء. من فوق، في عشه العالي، كان عبدالله طايع يضحك وهو يمدّ يده لكوب الشاي: سيبهم… السوق عمره ما ينام إلا على ريحة الدم. وسط هذا الجنون، كان هناك شاب غريب يقف في الظل.
اشتعلت الدنيا. الكلوبات تهتزّ في الهواء، والنور يرقص على وجوهٍ ملطخة بالدم. صوت الشوم والحديد والأنين يعلو على كل شيء. من فوق، في عشه العالي، كان عبدالله طايع يضحك وهو يمدّ يده لكوب الشاي: سيبهم… السوق عمره ما ينام إلا على ريحة الدم. وسط هذا الجنون، كان هناك شاب غريب يقف في الظل.
وجهه ساكن، لكن عينيه تلتقطان كل شيء. ينظر حوله كأنه يرى العالم لأول مرة. لم يعرفه أحد، ولم يسأله أحد، فهو لا يشبه أهل السوق لا في كلامهم ولا في مشيتهم. كان كأنه قطعة من الليل تمشي بين الناس. اقترب منه رجلٌ عجوز يحمل كيس بصل وقال: شكلِك غريب عن هنا يا ابني؟ ابتسم بخجل وردّ: أيوه… بس هدور على لقمة عيش.
هزّ الرجل رأسه وقال: تعالى بات الليلة في الشُنيش، السوق في الليل ما بيرحمش الغُرب.
مدّ الشاب يده يشكره، لكن قبل أن يتحرك خطوة، شقّ الصراخ الظلام. امرأة بصوتٍ خشنٍ يعلو على كل الأصوات، كأنها صفّارة معركة.
رآها من بعيد فقط — ظلّ امرأة في ثياب الرجال، تمسك شومة طويلة وترفعها في الهواء. صوتها يخترق السوق: تبقوا رجالة طوال عراض وتضربوا بعض؟! ناس عاملة معلمين… وواقفين تتفرجوا زي النسوان؟! كانت تهزّ السوق بكلماتها قبل أن تهزّه بعصاها.
رفع عبدالله طايع رأسه، وتغيّر وجهه. أطفأ سيجارته بعصبية، وقال: داهش… هات الكوبايات ودخّلهم جوه. كفاية فرجة النهاردة. ثم دخل غرفته، والابتسامة اختفت من وجهه.
الشاب الغريب لم يرها، فقط سمع صوتها. صوت كأنه طالع من جوف جبل. نظر للعجوز وقال باستغراب: مين الراجل ده اللي خلّى المعركة خلصت في ثواني؟ ضحك العجوز، وكشف عن أسنانه القليلة: ده مش راجل يا ابني… دي عزيزة الأشْموني.
هزّ الشاب رأسه، وقال بابتسامة ساخرة: ستّ؟… ستّ عملت اللي ما عملتوش الرجالة؟ ثم سار معه إلى الشُنيش، حيث الظلام والرطوبة، وافترش الأرض وغفا. لكن السوق لم يغمض عينه.
الليل في السوق له نبض، وكل نبضة تخبئ حكاية. الصبح طلع متعبًا. الشمس تصعد ببطء فوق الأسطح الصفيح، والمياه المتسربة من المساكب تختلط برائحة الدم.
رجال ينظفون الأرض، ونساء تهمس عن الليلة اللي فاتت، وأطفال يلاحقون ذبابًا لا يموت. وظهرت عزيزة الأشْموني. نفس الصوت، نفس الشومة، لكن الملامح أوضح.
سيدة السوق، بثيابٍ رجالية وصوتٍ يسبقها بخطوتين. تحمل شومة ضخمة، وتجمع الإتاوة من كل بائعٍ صغير يفترش الارض وخلف منها يقف صبي صغير يحمل كيس من القماش يجمع فيه ما تجمع عزيزة من مال فهي لا تترك أحدًا إلا دفعتُه بلسانها أو بيدها. كان السوق يرتجف من اسمها.
وقفت أمام فلاحٍ عجوز يفرش خضاره المتبقية، وقالت بصوتٍ جاف: ادفع قبل ما تفرش يا جدع، السوق له أرضية وأنا اللي باخدها! ردّ الفلاح بصوتٍ خافتٍ يرتجف: لما أبيع هدّيك اللي إنتي عايزاه يا ست عزيزة، خليني أستر نفسي. ضحكت ضحكةً خشنة، وركلت صناديق الخضار برجليها، فتطايرت الطماطم على الأرض كأنها دماء جديدة.
استر نفسك في بلدك يا ابو جلبية … هنا السوق له قانونه! كانت الشتائم تتطاير من فمها كالرصاص، ألفاظ حادة تشقّ الهواء. والناس واقفة ساكتة، العيون تزوغ، والقلوب ترتجف. لكن من بين الجميع، تقدّم الشاب الغريب.
وقف أمامها بثبات وقال بصوتٍ هادئ لكنه قاطع: حرام عليكي يا امراه… الراجل ده غلبان.
التفتت إليه، نظرت له من فوق لتحت، وقالت بحدةٍ سامة: مراه يا ابن المراه ؟ صرخ فيها اتلمي يا وليه بدل ما نلمك ... أنا جاي أشتغل مش اعمل مشاكل … بس والله مش هشوف ظلم وأسكت.
ضحكت بسخرية، واندفع سيل من الشتائم الجارحة، ألفاظ تخدش الحياء والكرامة معًا. اشتعل وجهه غضبًا، والعروق في رقبته تفجّرت. رفعت الشومة وضربته، لكنه أمسكها بيده وانتزعها منها في حركةٍ واحدة، وضربها ضربةً جعلت السوق كلّه يسكت.
العيون اتسعت، والأنفاس تجمّدت. حتى العصافير على السقف وقفت في مكانها. صرخت عزيزة، صوتها يخرج مبحوحًا من الغيظ: إنت مين يا الفاجرة؟! رفع رأسه، والعرق يتصبّب من جبينه، وقال بصوتٍ هزّ السوق: – أنا الغربي عمران… يا فاجرة يا بنت القحبة .
ثم ألقى الشومة أرضًا ومضى بخطواتٍ ثابتة وسط دهشة الجميع. الناس تهمس، النساء يتهامسن، الأطفال يركضون خلفه بأعين مدهوشة.
"ده اللي ضرب عزيزة!" "الغرب عمران!" أما عزيزة، فجلست على الأرض تمسح الغبار عن ثوبها، والنار تشتعل في عينيها.
قالت بصوتٍ خافتٍ كأنه وعد: الغرب عمران… والله لخلي 104 ابومقطورة يفرمك وما هناك إلا وأنا متحنية بدمك ثم صرخة في الصبي انت يا زفت يا لمونة اجري وأراه شوف البغل ده هيروح علي فين وانت وراجع هات خالتك نجفة وسعاد وام شطة وتعال علي الخن. وفي الأفق، كانت الشمس تشرق على سوقٍ جديد.
سوقٍ لم يعد يُدار بالخوف، بل بالدهشة. الاسم الذي تردّد على الألسنة صار عنوانًا ليومٍ مختلف.
الغرب عمران. #الغربي_عمران #رواية بقلم #فرحات_جنيدي الي اللقاء في الفصل الثالث
تعليقات
إرسال تعليق