![]() |
| الدكتورة زهرة الشريف اخصائي نفسية وإرشاد اسري |
فقد ظهرت تطبيقات وبرامج دردشة متقدمة تُحاكي المشاعر البشرية وتُقدّم “شركاء رقميين” قادرين على التعبير، التفهّم، والمواساة، بل وحتى الحبّ. لكن خلف هذه التجربة “اللطيفة” تكمن أسئلة وجودية ونفسية خطيرة حول معنى التعلّق، والواقع، والإنسان نفسه.
الوهم العاطفي وخلق البديل
تُغري العلاقات الاصطناعية المستخدمَ بوهم الكمال: شريك لا يغضب، لا ينتقد، ويُصغي على الدوام.
هذه البيئة العاطفية المثالية تخلق اعتماداً نفسياً خطيراً، حيث يبدأ الفرد في تفضيل العلاقة مع الكيان الذكي على العلاقات الإنسانية الحقيقية، التي تتسم بالتعقيد والتحدّي.
بمرور الوقت، يُعاد تشكيل مفهوم الحب في الذهن ليُصبح أقرب إلى التفاعل المبرمج منه إلى تجربة إنسانية حيّة.
الآثار النفسية للتعلق الاصطناعي
عزلة عاطفية متزايدة:
يتراجع الانخراط في العلاقات الواقعية نتيجة الاكتفاء بالعلاقة الرقمية “الآمنة”، مما يزيد من الشعور بالوحدة رغم وجود التواصل الظاهري.
تشوّش في إدراك الذات:
عندما يتلقى الفرد استجابات مثالية باستمرار، تتكوّن صورة زائفة عن الذات والعالم، فيُصبح غير قادر على تحمّل النقد أو الخلاف.
إدمان التفاعل الافتراضي:
يعتمد العقل على الدوبامين الناتج عن المحادثات الدافئة والمجاملات الآلية، مما يُنتج حالة إدمان نفسي شبيهة بإدمان وسائل التواصل.
تبلّد في المشاعر الإنسانية:
مع الوقت، يفقد الفرد الحسّ الواقعي بالعلاقات، إذ تُصبح مشاعره أقرب إلى ردود فعل آلية مكرّرة، فاقدة للعمق والتجربة الحقيقية.
تأثيرها على العلاقات الإنسانية الحقيقية
تُهدّد هذه الظاهرة البنية الاجتماعية للعلاقات الإنسانية، إذ تُقلّص مساحة الصبر والتفاهم، وتجعل التفاعل البشري يبدو مرهقاً أو غير مُرضٍ.
كما قد تؤدي إلى تفكّك الروابط الزوجية والعائلية عندما يُصبح “الرفيق الافتراضي” بديلاً عاطفياً أو وسيلة للهروب من الواقع.
الأخطر أن بعض المستخدمين يبدأون في إسقاط مشاعرهم الحقيقية على كيانات غير واعية، مما يخلق شرخاً نفسياً بين الواقع والخيال يصعب ترميمه.
بين الراحة النفسية والهاوية العاطفية
لا شكّ أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُسهم في دعم الصحة النفسية عبر المحادثات العلاجية أو الدعم العاطفي المؤقت، لكن الحدّ الفاصل بين المساعدة والاستبدال هشّ للغاية.
حين يتحوّل الدعم الآلي إلى بديل عن العلاقات الحقيقية، يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على التفاعل الطبيعي، ويغرق في عزلة رقمية مزخرفة بالعاطفة.
العلاقات الرومانسية الاصطناعية ليست مجرد تجربة تكنولوجية، بل تحوّل ثقافي ونفسي يُعيد تعريف معنى الحبّ والاتصال الإنساني.
ورغم بريقها الجذاب، فإنها تُخفي في طيّاتها مخاطر عميقة على الهوية العاطفية للإنسان.
إن التحدي الحقيقي في هذا العصر ليس في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في حماية المشاعر البشرية من أن تُصبح مبرمجة بدورها

تعليقات
إرسال تعليق