لقد رُفع عني الوضوء. قالها المعلم تمام فجأة، وهو يضع كفيه على الطاولة الخشبية العتيقة في مقهى السوق، كمن نزل عليه وحيٌ من غبار الزمن.
كان الضوء يتسلّل من بين فتحات السقف كخيوطٍ ذهبية تعاند دخان الشيشة، وتغسل وجوه الجالسين بصفرةٍ تشبه الغروب. صاح أحدهم كفاية يا معلم تمام احسن خالك أبوالمكارم او حد من رحلته يسمعك وتبقي وقعتك سودا.
ضحك الرجال من حوله، وتدحرجت ضحكاتهم بين كؤوس الشاي وصدأ المقاعد، إلا أن "تمام" ظلّ صامتًا، كمن يزن كلماته بمكيال الغيب. المقهى في منتصف السوق... تسمع فيه نداء الباعة، وصوت الجزار وهو يشحذ سكينه على العتبة، ورائحة الكباب تختلط بدخان الفحم وبأصوات الدجاج المسلوبة من أعناقها.
هناك، يجلس "تمام" ورفاقه، يتحدثون عن الدنيا كما لو كانت سوقًا أكبر من هذا السوق؛ فيها البائع والمشتري، والمفلس والمرابي، والربّان الذي نسي وجهته.
في الزاوية، كان لمونة، صبيّ عزيزة الأشْموني، يتابع صينية القهوة بعينين تلمعان فضولًا. كان يصغي لكل كلمة تخرج من فم "تمام" كما يصغي الطفل لقصص الحرب — مستمتعًا، لكنه لا يضحك.
كان يعرف أن اسمه تلك الليلة مكتوب في حديثٍ لا يُقال بعد الضحك. وحين خرج "لمونة" من المقهى، كان الهواء أثقل من رائحة البنّ، والسوق كأنه غرفة ضيقة تزدحم بالأنفاس.
تذكّر أنه مكلّفٌ بمهمة: مراقبة خطوات الغربي عمران. الغربي... ذلك الغريب الذي لا يشبه أحدًا في السوق، يمشي وكأن الأرض تخشى أن تئنّ تحت قدميه. تذكّر وصية سيدته عزيزة الأشْموني حين قالت له بصوتٍ حاد: "خُذ بالك وانت ماشي وراه... كل خطوة ليه فيها سرّ." ابتلع "لمونة" خوفه، وراح يتبعه بخفة قطٍّ جائع.
رآه يدخل ممر يقود إلى محل أبو المكارم. تردّد لحظة، ثم اختبأ خلف برميلٍ قديمٍ من الزيت. كان محل أبو المكارم مزدحمًا، كأن السوق كله اجتمع عنده. صوت النقود، رنينها في يده، كأنه موسيقى السلطة. كان يُحاسب أحد التجار بملامح لا تعرف اللين، لكن حين دخل الغربي عمران تغيّر وجهه كمن رأى ابنه الغائب.
تجمّد الغربي عند الباب، ثم تذكّر الماضي... تذكّر يوم موت أبيه، يوم الجنازة. كان الناس يبكون، والجيش يصفّ صفوفه في صمتٍ مهيب. لم يقبل أبو المكارم المكافأة الماليّة التي عرضها صندوق المحاربين القدامى، وطالبهم بجنازةٍ عسكرية. قالوا له إن عليه أن يأتي بأحد المسؤولين عن القرار، فجاء بزوجة الفقي أم الغربي — التي لم ترد لأبي المكارم كلمة، ووقّعت قائلة: "لا نريد مكافأة، ولا مصاريف للجنازة... نريد جنازة عسكرية كما قال ابن عمّي أبو المكارم.
" حاول كثيرٌ من أبناء القرية وأبناء العمومة أن يساعدوا بالمال، لكن أبا المكارم صرخ فيهم: الجيش هو اللي يشيّع البطل... مفيش فلوس تشيل الرجولة!" تذكّر الغربي تلك الجملة التي حفرتها الأيام في صدره: "لقد وُلدت وحيدًا يا غربي يا ولد عمران، لكنك لن تعيش وحيدًا... من اليوم كل أبناء القرية يعرفونك ابن البطل.
" مدّ أبو المكارم يده نحوه مبتسمًا، وقال بنبرةٍ فيها حذر: "أهلًا بالغربي... جاي في الخير يا وشّ الخير.
" لكن الغربي شعر أن الرجل تشاءم منه، فاشتعل غضبه كعود كبريتٍ في قلبٍ مبتلّ. ولم تكد تمر لحظات حتى دخلت عزيزة الدكان كعاصفةٍ من الغبار، تتقدّمها عشر نساء وثلاثة رجال، وأصواتهم تملأ السوق بالشتائم. صرخ أحد رجال أبي المكارم: "المعلمة عزيزة جاية علينا!" فالتفت أبو المكارم بهدوءٍ يشبه العاصفة، وقال: "اهدوا يا رجالة... مين منكم اللي صحّى النار القديمة؟
" تبادلوا النظرات المرتبكة، وردّوا بصوتٍ واحد: "ولا واحد منّا يا معلم." رفع حاجبيه وقال بدهشة: "أمال إيه اللي رجّع عزيزة عندنا تاني؟ ما كفاهاش اللي جرى لها زمان؟
" عندها نهض الغربي عمران من مقعده وقال بصوتٍ عالٍ: "أنا اللي اتخانقت معاها يا عم أبو المكارم." ضحك أبو المكارم ضحكةً خفيفة وقال: "جيت بالخير يا وشّ الخير.
" لكن الغربي فهم الضحكة خطأً، واشتعلت في صدره نار الكبرياء. قال بحدة: "مدام وشّي ما يعجبكش، أنا ماشي." اقترب منه أبو المكارم، ووضع يده على كتفه وقال بهدوءٍ ثقيل: "أنا لما أقول جيت في الخير، يبقى جيت في الخير... ولو شايفك جايب الشر، كنت أنا اللي قلتها.
" شقّ صفوف الرجال والنساء حتى وصل لعزيزة، ووقف أمامها كالأسد أمام فريسته، وقال بصوتٍ رخيمٍ فيه حدة الصحراء: "خير يا عزيزة؟ إيه اللي جابك تاني عندنا؟
" صرخت وهي ترتجف: "في كلب من رجالك نبح عليّا ومسك في توبي، وأنا جاي آخد حقي!" ضرب أبو المكارم الأرض بعصاه الثقيلة وهو يصيح: "إحنا ما عندناش كلاب يا عزيزة... الكلاب دي عندكم إنتو!
" ثم اقترب منها خطوة وقال بصوتٍ يقطر صمتًا وغضبًا: حقّك عند مين يا عزيزة ؟ أشارت بيدها المرتجفة نحو الغربي عمران وقالت: "حقّي عند الواد اللي وراك ده!" التفت أبو المكارم نحو الغربي، وضع كفّه على كتفه وضغط عليه كأنه يختبر صلابته، ثم قال ساخرًا: "وانتِ تقدري تاخدي حقّك من الواد ده يا عزيزة؟"
صرخت متحدية: "أقدر آخده منه ومن اللي واقف معاه كمان يا أبوالمكارم!" ضحك أبو المكارم ضحكة قصيرة تشبه صفير الريح قبل المطر، ثم أشار إلى رجاله أن يُخلّوا الميدان، وقال: "إن كان عليّا، أنا هقعد على الكرسي نتفرّج يا عزيزة.
صرخت متحدية: "أقدر آخده منه ومن اللي واقف معاه كمان يا أبوالمكارم!" ضحك أبو المكارم ضحكة قصيرة تشبه صفير الريح قبل المطر، ثم أشار إلى رجاله أن يُخلّوا الميدان، وقال: "إن كان عليّا، أنا هقعد على الكرسي نتفرّج يا عزيزة.
أما الغربي واقف قدّامك، خُدي حقّك بإيدك. إن غلبتيه، ليكِ نقلة عنب تيجي من روج الفرج على بيتك، ونص دستة شربات. وإن غلبكم، حلقك واللي المَشالله اللي على صدرك أول مكسب ليه من السوق. ومالكِش عودة للمكان ده تاني، حتى لو كان لك عندنا ألف حقّ.
" ثم التفت إلى الغربي وقال بنبرةٍ تحمل امتحانًا رجوليًا من زمنٍ آخر: "هات العصاية يا غربي... العصاية اللي شربت عرقي وشافت موتي." ناولوه العصا الطويلة، يلمع خشبها كأنها سيفٌ من نار. رفعها الغربي عمران فوق كتفه وقال بصوتٍ متوهّج بالحميّة: "جاهز يا عمّي.
" ردّ أبو المكارم بثباتٍ مهيب: "أنا مش عايز ضرب... أنا عايز الدم يسقي العصاية. العصاية عطشانة من زمان يا غربي. سكت السوق... حتى الدجاج فوق الأسطح توقّف عن الصياح.
العيون تحدّق، والنساء يبتلعن الخوف كأنه جرعة ملح. وفي لحظةٍ بدت أطول من الوقت، واجه الغربي عمران عزيزة ومن معها، والعصا في يده كأنها سيف وصيةٍ قديمة. الريح تدور حولهم كأنها تنتظر الدم ليبدأ الكلام.
ومن بين الوجوه المترقبة، كان "لمونة" يقف في الخلف، يتذكّر وصية سيدته، ويفهم متأخرًا أن الليلة لن تُنسى في تاريخ السوق، وأن الدم لن يسقي العصا فقط... بل سيعيد كتابة الحكاية من أولها.
رفع الغربي عمران عصاه ودار بها في الهواء كراقص تنورةٍ، ففرّغ الدائرة من حوله، ثم ضرب امرأةً عن يمينه، وأخرى عن يساره، وأسقط رجل بضربةٍ قسمت أنفاسه.
تعالت الصرخات، وهوت ثلاث نساء على وجوههنّ بينما فرّ الباقون مذعورين، والدم يسيل على أرض السوق كوشمٍ أحمر لن يُمحى. وقفت عزيزة مذهولة، بعينين ممتلئتين بالرعب، ثم رفعت عصاها وضربته إصابةً خفيفةً في رأسه.
سال الدم على جبينه، فاشتعل الغضب في صدره، وضربها على جانبيها وقدميها حتى سقطت ككتلة حجرٍ لا تقوى على النهوض. وضع عصاه على رقبتها وقال بصوتٍ كالحديدة على النار: "اخلعي الحلق يا مرة... قبل ما العصاية تنزل على راسك." لم تفكّر كثيرًا.
مدّت يديها المرتجفتين، وخلعت الحلق من أذنيها، وقدّمته له وهي تلهث طلبًا للرحمة.
أسرع "لمونة" نحوها، ارتمى بجوارها يبكي، والناس من حولهم صامتون كأن السوق فقد لسانه.
أمسك الغربي عمران بالحلق، وتقدّم نحو أبو المكارم وقدّم له الغنيمة. ابتسم أبو المكارم، تناول الحلق بيده، ثم أعاده إلى الغربي وقال: "خُده يا ولد عمران... ده رزقك الأول في السوق." رفع الغربي رأسه، والدماء ما زالت تسيل على جبينه، والسوق كله يراقبه في صمتٍ مطبق. كانت تلك اللحظة بداية عهدٍ جديد... ليس في السوق فقط، بل في روح الغربي عمران نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق