![]() |
| د. عبدالعزيز آدم عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية |
لقد أثبتت الشخصية المصرية على مر العصور أنها حين تُستَفز كرامتها ويُمس شرفها، تقف كالجبل الراسخ، لا تزعزعها عواصف ولا تُلينها محن. إنها عزيمة تتجاوز حدود التصور البشري، عزيمةٌ ميّزها النبي صلى الله عليه وسلم حين وصف جنود مصر بأنهم “خير أجناد الأرض”، وهو شرفٌ خالد ووسامٌ أبدي على صدر كل من نال شرف الانتماء لصفوف الجندية المصرية.
إن نصر أكتوبر المجيد لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان شهادةً دامغة على تفرد الروح المصرية، تلك الروح التي تنهض من تحت الركام، وتتحدى المستحيل، وتحوّل المستحيل إلى واقع مشهود. لقد أكدت هذه الحرب أن للمصريين طابعا خاصا يميزهم عن سائر شعوب الأرض، روحًا لا تعرف الانكسار، وإرادةً لا تعترف بالمستحيل.
مشاهد من ملحمة النصر
(١) الخداع الاستراتيجي: لقد أذهل المصريون العالم بخطة محكمة تجاوزت حدود الذكاء العسكري، فحتى القادة المشاركون لم يُبلَّغوا بموعد الحرب إلا قبل أقل من أربعٍ وعشرين ساعة. كانت مشاهد الاسترخاء على ضفة القناة، والإعلانات عن رحلات العمرة والإجازات، أقنعةً بارعةً أربكت العدو حتى إذا سمع همسًا عن حرب وشيكة، سخر وعدّها مستحيلة. بل إن بعض الجنود المصريين أنفسهم اعترفوا بأن الخطة بلغت من الدقة ما جعلتهم يظنون أن الحرب بعيدة المنال. ومع ذلك، كانوا يدركون أن المعادلة واحدة: كرامة وشرف يقابلهما خيار وحيد هو الحرب.
(٢) ساعة الصفر والعبور: لحظةٌ محفورة في ذاكرة الوطن، عبرٌ من نور وبطولة. الكباري تُثبت، الطائرات تقصف، الجنود يعبرون غير مبالين بالقصف والرصاص. يسقط الشهيد، فيحمل الراية رفيقه. تهدر التكبيرات في السماء، تفيض العيون بالدموع قبل أن يتحقق النصر، وترتجف القلوب من فرط اليقين. رأينا دبابات تتوقف وسط القناة، ينزل منها الجنود ليغسلوا وجوههم بمائها ويسجدوا لله شكرا أن بلّغهم هذا الشرف العظيم.
توالت المشاهد البطولية: علم يُرفع فوق الضفة الشرقية، جنود يُستشهدون واحدًا تلو الآخر لتظل الراية عالية، وعدو متغطرس يُدفن وجهه في التراب. كان ذلك نصرًا كتبته عزيمة الرجال، وأذن به الله بعد أن أخذوا بأسبابه.
روح تتحدى الموت
لقد أثبتت حرب السادس من أكتوبر أن روح الإرادة المصرية أقوى من روح الهزيمة، وأن ما ظنه البعض هزيمة أبدية لم يكن سوى وهمٍ زائل. تلك الروح لا تزال حيّة، كامنة في كل مصري أصيل، تنتظر لحظة الاستدعاء.
لكن الخطر اليوم لا يأتي من عدو خارجي فحسب، بل من فئة ضالة تدّعي الانتماء إلى مصر وهي أبعد ما تكون عن الوطنية. هؤلاء هدموا بدل البناء، ونشروا روح السلبية بدل أن يورّثوا الأجيال روح أكتوبر المجيد. ونحن اليوم بحاجة إلى صحوة، إلى استعادة تلك الروح التي لن تموت، لأنها محفورة في جينات الشخصية المصرية.
فلنطرد كل فكر دخيل يزرع الشك والتفرقة، ولنسأل أنفسنا: ماذا قدّمت أنا؟ فالوطن ليس كيانًا معلقًا في السماء، بل هو مجموع الأوطان الصغيرة التي يمثلها كل فرد فينا. إن صلح “الوطن الأصغر” اكتملت صورة “الوطن الأكبر”، وإن فسد لم يقم للوطن الكبير قائمة.

تعليقات
إرسال تعليق