القائمة الرئيسية

الصفحات

سيكولوجية الصمت في العلاقات .. لغة لا تتحدث لكنها تُحدث فرقًا بقلم: الدكتورة زهرة الشريف

 الدكتورة زهرة الشريف اخصائي نفسي وإرشاد اسري

يُعدّ الصمت في العلاقات الإنسانية، ولا سيما الحميمة منها، ظاهرة نفسية دقيقة ومتعددة الطبقات. فهو لا يمثل غياب الكلمات بقدر ما يعكس حضورًا مختلفًا للغة، لغة خفية تُقال دون أن تُنطق، تحمل في طياتها رسائل عميقة قد تبني جسور القرب أو تهدمها. إن الصمت، بطبيعته، ليس حياديًا؛ فهو إمّا مساحة دفء وأمان، أو جدار فاصل من برود وانسحاب.


في العلاقات الصحية، يتخذ الصمت شكلاً مطمئنًا يُعرف بـ«الحميمية الصامتة»؛ حين يصبح الوجود وحده كافيًا دون حاجة إلى الكلمات. يجلس الشريكان في سكونٍ مريح، يلتقيان بنظراتٍ تُغني عن الحديث، فيشعر كلٌّ منهما بأن الآخر يفهمه دون شرح. هنا، يكون الصمت دلالة ثقة، وطمأنينة داخلية، وتقبّل متبادل لا يحتاج لتبرير.

لكن في المقابل، قد يتحول الصمت إلى درعٍ دفاعي يُخفي خلفه الخوف من المواجهة أو التعبير. عندما يعجز أحد الطرفين عن الإفصاح عن غضبه أو ألمه، يلجأ إلى الصمت كوسيلة لحماية الذات من الانكشاف أو الرفض. إلا أن هذا الصمت، وإن بدا آمنًا، يخلق مسافة خفية بين القلوب، ويمنع التفاهم الحقيقي، ليتحول شيئًا فشيئًا إلى تراكمٍ يصعب كسره.

وهناك صمتٌ أكثر قسوة، ذلك الذي يُستخدم كسلاحٍ للعقاب أو السيطرة. في «المعاملة الصامتة»، يتعمّد أحد الشريكين تجاهل الآخر، يحجب عنه التواصل كنوع من العقوبة أو الابتزاز العاطفي. هذا النوع من الصمت لا يهدف إلى التهدئة أو التفكير، بل إلى إخضاع الطرف الآخر وزرع الإحساس بالذنب. وهو ما يصنّفه علماء النفس ضمن أنماط الإساءة العاطفية، لما يسببه من ألمٍ نفسي عميق وشعورٍ بالعزلة وتآكلٍ للثقة بالنفس.

أما الصمت الزوجي المزمن، فهو شكل آخر أكثر بطئًا وهدوءًا في تأثيره، لكنه لا يقل خطرًا. حين تغيب لغة الحوار وتُهمل المشاعر غير المعبر عنها، يصبح البيت صامتًا كالمتحف، جميل المظهر لكنه خاوٍ من الحياة. وقد ينشأ هذا الصمت عن الإرهاق العاطفي أو الانشغال المفرط أو فقدان الرغبة في التواصل بعد محاولات فاشلة متكررة. ومع مرور الوقت، يزداد البُعد النفسي ويحلّ الملل مكان الألفة.

يبقى الوعي هو المفتاح لفهم سيكولوجية الصمت. فليس كل صمتٍ راحة، ولا كل هدوءٍ علامة رضا. من المهم أن يسأل كل طرف نفسه: هل هذا الصمت نابع من سكونٍ داخلي أم من هروب؟ من حبٍ آمن أم من خوفٍ مكتوم؟

إن بناء علاقة صحية لا يقوم على كثرة الحديث، بل على الصدق في فهم ما وراء الصمت. فالتواصل الحقيقي لا يعني فقط أن نتكلم، بل أن نصغي لما لم يُقل، ونمنح الصمت ذاته معنى لا يُفسد القرب، بل يُعمّقه.



تعليقات

التنقل السريع