القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران – الفصل السابع رواية بقلم: فرحات جِنيدي



كانت عزيزة الأشموني تقف وحدها وسط الخراب.بيتها الذي كان يومًا عامرًا بالصوت والنظرات… صار الآن كومة جدران سوداء، ورائحة دخان لم تغادر الهواء بعد.الخشب احترق…لكن الذكريات لم تحترق.وقلبها ما تزال النيران مشتعلة فيه.كانت تحدّق في الرماد وتهمس لنفسها بصوت لا يسمعه أحدٌ سواها:"إزّاي؟… إزّاي واحد زي بدران الجهيني يقع فريسة؟إزّاي يتقتل بالساهل؟مين اللي عملها؟هوّي سرّي اتكشف؟هو فعلًا الغربي عمران؟

والحلق… فردة الحلق اللي وصلت مخزن عبد الله طايع… إزّاي؟"ثم صمتت لحظة، تتقلب الشكوك داخلها مثل جمر مشتعل.ميكنش أبو المكارم… بس إزّاي؟ده الكبير… المعلم اللي ملوش معلم.ولا يكونش الديب الملعون… عبد الله طايع؟يمكن هو… لما لقى بدران بيدفن شوية من اللي سرقه في مخزنه…بس عبد الله ما عندوش قلب ولا قوّة تقلب واحد زي بدران، حتى لو جمع رجّالته.اللي عملها واحد أقوى… واحد وراه تارّ عند بدران … واحد قادر يواجهه عين في عين.

"هزّت رأسها.كانت رائحة الشك تلسع أنفها أكثر من رائحة الحريق.عبد الله… آه والله عبد الله…الشيطان الذي تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.يراه الناس رجلًا، وهي الوحيدة التي رأت ما تحت الجلد…رأت القرون والذيل.لكن — ورغم كل شيء —كانت كل الخيوط تشير إلى غيره.تشير نحو الاسم الذي صار حديث السوق وإمبابة كلها… الاسم الذي ترفعه الناس ساعة، وتنسج حوله بالساعات حكايات لم تحدث أصلًا:"الغربي عمران"ضحكت عزيزة ضحكة قصيرة… ضحكة تشبه تنهيدة امرأة دخلت حربًا وخسرت وربحت في الوقت نفسه."الغربي عمران…الواد اللي هزّني مرتين…وكسب… وأنا اللي عمرها ما بتكسبش.

"كأن الريح حملت صوته وصورته وضربته التي كسرت كبرياءها قبل أيام.توقّفت… وضعت يدها على الحائط المتفحّم… أغمضت عينيها.وتكلم قلبها لا عقلها:لو كنت عارفاه من بدري…لو كان ظهر قبل ما الدنيا تتشقلب…كنت قلبت الأرض علشانه…كنت خرّبت الدنيا علشان أفوز بيه. 

فتحت عينيها.كانت نظرتها نظرة امرأة لا تكره…بل امرأة تحاول هزيمة شعور لا يُهزم.يا واد يا غربي…ليه طلعت كبير كده؟ليه أكبر من سنّك ونيّتك؟إزّاي عملت اللي عبد الله… وأبو المكارم… ما قدروش يعملوه؟تنهدت… ثم جلست على الأرض مستندة إلى الجدار الأسود كأن الدخان يشدّها إلى الماضي.عاد كل شيء فجأة…عاد وجه أمها زينات…أول ليلة في السوق…أول ليلة عند عبد الله طايع…كان ليل إمبابة تلك الليلة ليس ليلًا…بل ساطورًا يهبط على الرقاب ببطء.الهواء خانق، كأن السماء نفسها تشهق من ثقل الحكايات.السوق نام…إلا دكان المعلمة زينات.دكان لا يعرف الليل ولا يعترف بالنوم.كانت زينات تُراقب… وتشمّ الخوف كما يشمّ الذئب دم الفريسة.وقفت عزيزة، ابنتها، في المدخل.

رأسها مرفوع… وروحها مكسورة كجرة فخار تصدّعت بالزمن.ورغم ذلك، كان بداخلها شيء لا يُهزم…ليس أملًا، بل عنادًا… شرارة تنتظر أن تصير نارًا.وقف أمامها عبد الله طايع…حافي الضمير، وإن ارتدى نعالًا جديدة.عيناه مغسولتان بالخديعة…ابتسامته متواضعة…لكن صدره منتفخ بما يكفي لخداع معلمة مثل زينات.كان عبد الله قد أشعل في قلب زينات نار الغضب على أبو المكارم، الرجل الذي كانت عزيزة تهواه… وكانت زينات تكرهه كرهًا لا يُوصف.عبد الله زرع الفتنة… وعرف تمامًا ما سيحدث بعدها.لكن الردّ كان أشدّ مما توقّع.زينات أمرت بزواج عزيزة منه.لا زواج… بل عقوبة.

وقع الخبر كالصاعقة على قلب عزيزة…والصاعقة نفسها أصابت قلب أبو المكارم.لكن الرجل بلع وجعه… ومضى يبحث عن مستقبل يصير فيه أكبر من أي أحد في السوق.جرحه القديم حين سبقه عمران إلى زينب — عاد وانفتح… لكن الرجل أخفى الوجع في صدره، حتى عن ابن أخته تمام.أما عبد الله… فقد فرح بالعقوبة.ظنّ أنها فرصته ليكسر كبرياء عزيزة… ويصفّي حسابه مع زينات.تزوجها… لكن:لم يلمسها.

لم يصرخ.لم يرفع يده.كان يمثل دور الرجل الطيب… المتديّن… الضحية.ولأول مرة، صدّقته عزيزة.كانت تحتاج إلى حضن…وكان هو ينتظر لحظة ضعف واحدة فقط.وحين جاءت…سقطت في حضنه.تمامًا كما خطّط.أسابيع معدودة… ثم ظهر وجهه الحقيقي:العنيف… الجلاد… الذئب الذي يجوع للسيطرة.وفي ليلة عاصفة…ضربها.كسر أنفها.هذه اللحظة… كانت اللحظة التي ماتت فيها عزيزة القديمة.لحظة انطفأت البراءة…وولدت امرأة أخرى:امرأة من نار.لا تعرف الرحمة.تقتل بعينيها قبل يدها.تحملت الألم… بلعته… ولم تنطق.لكنها كانت تدوّن كل شيء في دفترٍ لا يحترق داخل رأسها.بعد شهور قليلة…انقلبت الآية.عبد الله الذئب صار كلبًا مربوطًا بخيط حرير تمسكه هي بأطراف أصابعها.تحكمت فيه: في ماله، نومه، صحوه، تجارته، رجولته ذاتها.كانت تهينه بصوت هادئ… صوت يكسر أكثر مما يضرب."قوم… هات الشاي يا عبد الله.

"وكان ينكسر أمام الجميع.ليالٍ طويلة وقف فيها أمام المرآة يقول:يا ريتني ما دخلت اللعبة…يا ريتني ما لمستها…يا ريتني ما افتكرت إني أقدر عليها.جاءت ليلة برد شديدة.ودُقّ باب بيت عزيزة.امرأة قالت:"أمّك… عاوزاك.دي ساعة النهاية."ذهبت…رأت زينات ضعيفة هزيلة… ليست المرأة التي كانت ترعب السوق.قالت زينات بصوت خافت:"سامحيني… يا بنتي."ابتسمت عزيزة ابتسامة ملاك.مسحت جبينها وقالت:"سامحتِك يا أمّي… والله سامحتك."تنهدت زينات… أغلقت عينيها… ورحلت.وقفت عزيزة لحظة…ثم انحنى فمها ببسمة شيطانية بطيئة:النهارده… خدعتك.بعتّك للموت… زي ما بعتيّني لعبد الله الندل.وخرجت كملكة ورثت المملكة كلها.

عادت للبيت…وجدت عبد الله ينتظر، وجهه شاحبًا من موت زينات.قال بصوت منسحق:نكمّل؟… ولا نفترق؟نظرت إليه نظرة جعلته يتراجع نصف خطوة.وقالت:"طلّقني… وخد حرّيتك."لم يتردد.الكلمة جاهزة…كأنها كانت محفوظة على طرف لسانه منذ زمن.وقّع عبد الله ورقة الطلاق…لكن حينها فقط فهم الحقيقة:عزيزة الأشموني…لن تتركه حرًا أبدًا.لا بورق… ولا بنكاح… ولا برجولة.سيظل عبدًا…حتى وهو مطلّق.الغربي عمران رواية بقلم فرحات جنيدي الي اللقاء في الفصل الثامن

تعليقات

التنقل السريع