القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران 10 الفصل العاشر رواية بقلم فرحات جنيدي



 كان الفجر يزحف بخيوط ضوء باهتة، تتسلل من النوافذ الضيقة كأنها أصابع حائرة تبحث عن شيء ضاع منها منذ زمن بعيد. في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، بدا الضوء وكأنه يحاول أن يتلمّس وجوهًا أنهكتها الليالي، وجدرانًا حفظت أسرارًا أكثر مما تحتمل الألواح أن تصمت عنه.

 الظلال تتحرك بخفة، تتراقص على السقف كأرواح مجهولة، تقترب ثم تتراجع، تهدد ثم تختفي… وكأن المكان نفسه يوشك أن يتكلم. الغرفة الضيقة جمعت الغربي عمران وبدران الجهيني، كل منهما على سرير يشبه الآخر، كأنهما خُلقا من جذع واحد قُطِّع نصفين. رائحة الخشب العتيق ممزوجة برائحة الأدوية والألم، والهواء المحبوس يثقل الصدر.

 الغربي عمران كان مستلقيًا، جسده منهك، عيناه تتحركان ببطء، ولكن عقله يتقد كجمر تحت رماد. يلتقط كل حركة، كل لمحة، كل نفس… كمن يدرك أن الحقيقة قريبة، لكنها محاطة بشراك لا تُرى. 

صوت خطوات، بطيئة لكنها حادة، يتردد من بعيد، ثم يقف عند الباب. كان أبو المكارم يقف هناك، كأنه حارس لبوابة لا يعرف الداخل والخارج إليها إلا بإذنه. 

عيناه مشتعلة بالغضب، وصوته حين انطلق كان كرصاصة خرجت من صدر مكتوم منذ ليالٍ: إنتي جاية ليه هنا يا عزيزة؟ دخلت عزيزة، بخطوات ثابتة، وعينيها تشعان بجرأة لا تخلو من خوف، ولكنها تخفيه ببراعة: جيت أطّمن على الغربي عمران… هو مش غريب عني. قبض أبو المكارم على طرف الطاولة الخشبية، أصابعه تشدّ كأنه يمنع نفسه من الانفجار: ده مش مكانك… وماينفعش تتدخّلي في اللي مالكيش فيه!

 ابتسمت عزيزة بمرارة تشبه صفعة: وهو مكانه؟ ولا هو كان أمان في يوم من الأيام… وإنت اللي ماسك زمامه؟ كلمة "زمامه" هزت عينَي الغربي عمران، أشعلت داخله شكًا قديمًا.

 وقف ليمونة خلف الباب، متكئًا على الحائط، صامتًا، عيناه تتحرك كأفعى تتشمم الخطر: كل واحد فيكم مخبّي حاجة… وأنا مش ناقص غير أربط الخيوط. تمتم أبو المكارم بصوت لا يكاد يسمع: الموضوع مش وقته… مش دلوقتي. تقدمت عزيزة خطوة، نظرتها حادة تشق الهواء: دلوقتي أحسن وقت. الراجل ده لازم يعرف، وإلا هيفضل عايش في نصّ الحقيقة… والنص التاني هيموّته. 

ارتجف قلب الغربي عمران، كأن كلمة واحدة يمكن أن تفكّ عقدة الليل كله. وضعت عزيزة يدها على كتفه، لمستها ناعمة لكن ملامحها مشدودة: إهدا… كله هيبان، بس لازم تبقى جاهز. لكنها عندما همست جملة قصيرة مرت كخنجر في صدره: يا ريت لو ماكنش موجود في المكان ده. انقبض قلب الغربي عمران. هل تخاف عليه؟ أم منه؟ أم تخشى ما سيعرفه؟ أبو المكارم أغمض عينيه لحظة، ثم قال بصوت منخفض: عارف إنك مش فاهم… بس في حاجات أكبر مننا كلنا. ليمونة ضحك بخفوت: وأنا بقى؟

 أنا فاهم إيه؟

 ولا عليّا الدور إمتى؟

 الغربي عمران حاول أن يرفع رأسه، الكلمات تخرج مكسورة: إنت… مخبّي عليّ إيه يا عزيزة؟ ابتسمت ابتسامة بالكاد تُرى، ابتسامة تحمل ألف لغز: كلنا مخبّيين يا غربي… بس إنت أكتر واحد لازم يعرف.

 في الزاوية الأخرى، كانت الممرضة جميلة تجلس فوق كرسي خشبي صغير، تراقب المحلول الواصل إلى ذراع بدران الجهيني، وعيناها تتنقلان بين أنبوب الدواء وبين وجه الغربي عمران. كانت تسمع كل كلمة… وتحفظ كل همسة.

 لكنها صامتة، كأن صوتها أثمن من أن يُنفق الآن. وفجأة، وبلا إنذار، ارتج جسد بدران الجهيني، كمن يخرج من عمق بحر مظلم. فتحت عيناه نصف فتحة… نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كالنار. تحدّق في عزيزة. 

ثم في أبو المكارم. ثم في ليمونة. ثم أغلق عينيه من جديد، وعاد إلى سكون يخيف أكثر مما يطمئن. همس الغربي عمران لنفسه: ليه بصّ لهم بالذات؟ إيه اللي بينهم؟ لكن الهمسات انقطعت حين اندفع الدكتور عبد المغيث إلى الغرفة، صوته كالسيف: خلاص!.. الزيارات انتهت.

 اطلعوا برا! ثم صرخ على الممرضة: محدّش يدخل عليهم تاني! حالتهم حرجة… وأنا مش ناقص مشاكل! تحرك الجميع للخروج، لكن عيونهم بقيت معلّقة بالغرفة، وكلامهم مخبوء تحت الألسنة. بعد أن أغلق الدكتور الباب، اقتربت الممرضة جميلة من الغربي عمران، بصوت يكاد لا يسمع: أنا سمعت بدران الجهيني بيقول كلام… كلام لو عرفته يمكن يغيّر كل حاجة. رفع الغربي رأسه بصعوبة، قلبه يخفق باضطراب: إيه… قالّك إيه؟ ابتسمت ابتسامة غامضة، عينان لامعتان بشيء يشبه الخطر: مش كل الكلام يتقال يا غربي… مش دلوقتي. ثم أدارت ظهرها، وخطواتها تتلاشى مثل ظلّ يعرف الطريق إلى السر. ساد الصمت. 

صمت كثيف… كأن الجدران توقفت عن التنفس. الغربي عمران أغلق عينيه، لكن عقله كان يشتعل كليلة اشتعل فيها قشّ العالم كله. عزيزة… أبو المكارم… ليمونة… الممرضة جميلة… بدران الجهيني… كل واحد منهم يحمل مفتاحًا… أو يحمل خنجرًا. والغرفة الصغيرة لم تعد مأوى للمرضى، بل ساحة للشك، ورقصة طويلة بين نور يوشك أن ينكشف… وظلّ يرفض أن يموت. وفي ذلك الليل… بدأ الغربي عمران يدرك أن ما حدث لم يكن صدفة… وأن الحقيقة التي يبحث عنها لن تأتيه على طبق من الكلمات. 

بل سيتعين عليه أن يشقّ طريقه عبر أكاذيب كثيرة… وشهود صامتين… وعيون تقول أكثر مما تتكلم. وقد لا يسمح لأحد أن يظل بريئًا بعد الآن.

 #الغربي_عمران #رواية بقلم #فرحات_جنيدي الي اللقاء في الفصل الحادي عشر


تعليقات

التنقل السريع