القائمة الرئيسية

الصفحات

الغريي عمران 13 الفصل الثالث عشر رواية بقلم فرحات جنيدي


 الليل لم يهبط على ميدان الترولي هذه المرة. الليل أغلق الباب من الداخل. هواء سبتمبر يمرّ، يتفقد المكان، ثم يتراجع. الميدان فارغ إلا من ذاكرته. 


حتى بائع الحمص نام، أغلق التلفاز، وأطبق الصندوق الخشبي، كأن العالم لم يعد بحاجة إلى شاهد. في شقة أبوزيد عبد المقصود، كان الصمت أثقل من الكلام. الرجل الذي اعتاد أن يُصدر الأوامر، صار يخاف من صدى صوته. عبد الله طايع يجلس قبالته، عينان لا تعرفان الرحمة، لكنهما تعرفان الخوف. 

الخوف واحد. لكن موضعه مختلف. أبو زيد يخاف أن يُنتزع اسمه من على باب مديرية التموين. أن يسقط كرسيه في الاتحاد الاشتراكي سقوطًا مدويًا.

 أن تُسحب منه لذة سرية… لذة لا يجرؤ حتى على تسميتها. كان يعرف أن الحرمان أقسى من الفضيحة، وأن الفضيحة إن جاءت، فلن تترك له حتى حق الندم. أما عبد الله طايع، فكان يخاف من شيء آخر. من الضحك. من السخرية. من أن تتحول إمبراطوريته التي بناها بالقوة والدهاء إلى نكتة يتداولها تجار السوق.

 قال عبد الله وهو يضغط على الكلمات: بدران لو فاق… إحنا انتهينا. رد أبو زيد دون أن يرفع عينيه: قلت لك… لا دم. مش في مستشفى. يعني إيه؟! يعني لأ. ضحك عبد الله ضحكة قصيرة، بلا صوت. هو الدم بيستأذن؟ 

ثم ألقى الاسم كطعنة: محسن. ارتجّ صدر أبي زيد. الاسم وحده كفيل بأن يهدم كل دفاعاته. 

محسن مزيرق… الولد الذي لم يكتمل، والذي اكتمل به هو. قربٌ محرم، وحنين لا يُغتفر، وسرّ لو خرج للنور أحرق الجميع. 

قال أبو زيد، كمن يتمسك بقشة: أنا نقلته… شقة في شبرا. وشغل قريب. آمن. اقترب عبد الله، وصوته صار همسًا قاتلًا: محسن مش آمن طول ما بدران عايش. ده مش موضوع هنا… ده عار في جهينة. عار يجرّ وراه قبيلة. سكت أبو زيد. كان يرى في رأسه صورة محسن وهو يضحك، ثم صورة محسن وهو يُسحب إلى الضوء. شعر لأول مرة أن اللذة التي خبأها سنوات قد تنقلب سكينًا في ظهره. مش هكون شريك في قتل. ولا أنا.

 قالها عبد الله، ثم ابتسم. نأجر حد. كلب. طرف تالت. لا يعرفني ولا يعرفك. تردد أبو زيد لحظة… ثم هز رأسه. ماشي. ابتسامة عبد الله اتسعت. 

بس الكلب له تمن. إيه؟ ذهب الخواجة بشوي. انفجر أبو زيد واقفًا: ذهب إيه يا حيوان؟! أنا ما أخدتش حاجة! أنا نفدت بجلدي! اقترب منه مهددًا: ولو على أجر الكلب… أنا أدفع. ومحضّر لك عملية جديدة. 

افتكر أيام عربية البطاطا، وما تبقاش طماع. انكسرت نظرة عبد الله. لحظة ذلّ عابرة. ثم قال بصوت منخفض: اعتبره خلص. طلب الإذن وخرج. 

على السلم، كان محسن مزيرق يصعد. التقت العيون. ابتسم محسن ابتسامة خجل… ابتسامة رجل عينُه مكسورة. كان يعرف. كان عبد الله طايع الوحيد الذي يعرف. 

لم يتكلم. لم يهرب. صعد فقط، بخفة من اعتاد أن يمرّ في الظل. توقف عبد الله لحظة، وشعر بشيء يشبه الاشمئزاز… أو الغيرة… أو الاثنين معًا. ثم واصل نزوله. 

عند مدخل السوق، وقف. المحلات مغلقة. فروشات الفاكهة والخضار مغطاة بالقماش. الليل خيّم عليها كحكم نهائي. وفي رأسه، انفتحت الأبواب. 

رأى التجار واقفين، يضحكون. يشيرون إليه. يسخرون: عبد الله طايع… اتفضح. الإمبراطور وقع. شدّ قبضته. لا… بدأ الجدل داخله، حادًا، بلا رحمة: بدران لازم يموت. وأبو زيد؟ 

خطر. ومحسن؟

 السر كله. 

ابتسم ابتسامة باردة. نخلّص على بدران. وبعدين أبو زيد. واللي يخلص عليهم… محسن. وبعد ما يخلص… أخلص أنا عليه. تنفس بعمق. 

الإمبراطور لا يسمح للضعف بالبقاء. وفي الشقة، كان أبو زيد عبد المقصود وحده. يشعر أن الوقت يُغلق عليه. أن اللذة تبتعد. أن الكرسي يهتز. وأن السر الذي عاش عليه، قد يكون السبب في نهايته. 

الليل في السوق ساكن. لكن الخراب… صار جاهزًا.

 #الغربي_عمران #رواية بقلم #فرحات_جنيدي الي اللقاء في الفصل الرابع عشر

تعليقات

التنقل السريع