القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران 8 الفصل الثامن روايه بقلم فرحات جنيدي


الزنزانة كانت ضيّقة… لكنها ليست أضيق من صدر الغربي عمران نفسه.الجدران الرمادية تحاصر عينيه مثل صفحات كتابٍ يريد أن يقرأه رغم أن كل كلمة فيه صارخة بالاتهام.الرائحة خليطٌ من عرق البشر، ودخان سجائر مهربة، وحياة مكسورة.كان جالساً في الركن…ظهره للحائط…ورأسه مثقل كأنه يحمل فوقه سوق إمبابة كله.لم يسمع صوت الحديد يُغلق… بل شعر به.


اهتز الهواء.تجمدت أفكاره.كأن القضبان دخلت عقله لا جسده.منذ أن أمرت النيابة بحبسه أربعة أيام… وهو لا يفهم شيئاً.كل شيء يتحرك بسرعة فوق قدرة شكه.وكل شك يتحرك بسرعة فوق قدرة قلبه.أغمض عينيه…وبدأ الشك.كان يسمع أنين المساجين من حوله… لكن داخله كان أكثر ضجيجاً.حوار طويل، متشابك، محموم… يجري بلا توقف.هل فعلها خليل؟

هل أخذ الحلق؟هل عاد بعد أن نمت… ودخل الشقة؟هل خدعني؟ثم صوت آخر يصفعه:يا غربي… ركّز… أي شيء ممكن.الدنيا ما بتديش حد وشّها الحقيقي.فتح عينيه.نظر إلى الحديد…النور يتسلل بين القضبان مثل خطوط تقسم روحه نصفين.الشك كان أشبه بحيوانٍ جائع… ينقر صدره ويأكل قلبه.عاد عقله يعيد صياغة اليوم الذي سبق الجريمة…يمضغه… يعصره… يعيده إلى سطح الوعي كأنه يحدث الآن.

كان صباحاً عادياً… أقله هكذا ظن.الغربي ينزل السلم من بيت أبو المكارم متجهاً لعمله وهو يشعر أن اليوم لن يكون يوماً سليماً.الحارة كانت هادئة، ورائحة الخبز الساخن تعلّق في الهواء.لكن قبل أن يخرج من الباب…سمع صوتاً يناديه:يا غربي… يا ابن أخوي!كانت زوجة عمه أبو المكارم.عاد يصعد الدرج بخطواتٍ متحفّظة.كان يظن أن عمه يريد شيئاً منه.لكن المفاجأة كانت تقف عند باب الشقة…بنت عمه.التي تشعل قلبه ولا يريد أن يعترف…كانت واقفة وهي تمسك كيس زبالة.قالت بابتسامة ثقيلة الظل:ماما بتقولك… خُد الهدية.ضحكت.ضحكة خفيفة… لكن سكينها انغرس في كبريائه.نظر إليها… ثم إلى الكيس… ثم إلى الباب الذي أغلقته عمداً كي لا يرى أحد الموقف.لم يقل شيئاً.لم يرد أن يعطيها نصراً مجانياً.لكن قلبه كان يغلي.

قالت وهي تتغير ملامحها:آسفة والله يا غربي… ما قصدتش أضايقك… بس معلش، ارميه في طريقكمدّ يده… أخذ الكيس.لكن شيئاً حاداً داخله انكسر.كان ذلك شرارة اليوم.اليوم الذي سيتحول بعد ساعاتٍ إلى جريمة… دم… سجن… حيرة.في العمل، رأى عمه أبو المكارم يتهامس مع اثنين من التجار.كانوا ينظرون إليه…ثم يتظاهرون بعدم النظر.

ثم يعودون.اقترب منه الغربي عمران.رفع أبو المكارم رأسه وقال بصوت ظاهر: إنت اتأخرت ليه النهارده؟

قال الغربي:حصل ظرف بسيط فوق…قاطعته نظرة حادة.نظرة رجلٍ يعرف شيئاً ولا يريد أن يقوله.ثم قال له أبو المكارم بصوتٍ يلمع بالمعنى:السوق كله باصص لك على انك بطل وانا فرحان بيك لكن تبقى بطل عليا ازعل منك وكلامي مش هيرضيك إحنا ناس شرفا يا غربي… ما نحبش الكلام يطول حوالينا.

الغربي شعر أن قلبه وقع من مكانه.الجملة لم تكن بريئة.كأن عمه يلمّح لشيء…كأن عمه يعرف شيئاً سبق وصول الشرطة.ولوهلة…حدّق فيه الغربي عمران وسأل نفسه:هل يمكن أن يكون هو؟هل يريد أن يلصقني بشيء؟هل سرق هو الحلق؟ثم عاد يضرب رأسه:"بس ليه؟ إيه مصلحته؟

"وخرج من العمل وفي رأسه صراع…من تلك اللحظة…بدأ يضع عمه بين قائمة المشكوك فيهم.وهذه كانت بداية الجنون.عاد الغربي في ذلك اليوم إلى البيت متعباً.وجد خليل الحاوي ينتظره.

ابتسامته كانت لطيفة… لكنها هذه المرة كانت غريبة بعض الشيء.جلس معه خليل حتى منتصف الليل.حكيا عن كل شيء…الشغل… الحارة… عزيزة الاشموني… الناس… السوق… والوعود الكبيرة التي يحلم بها.لكن حين غلب النوم الغربي…تركه واستلقى بجواره.والمشهد الذي لا يريد عقله نسيانه:حين استيقظ في منتصف الليل…وجد خليل في المطبخ.سأله:بتعمل إيه؟

قال خليل وهو يضحك ضحكة خفيفة:بشرب ميّة… ما كنتش عايز أصحيك.

 أنا مكمل الليلة معاك لحد الصبح… نم يا عم  

لكن قلب الغربي لم يرتح.

لماذا كان خليل في الشقة وحده؟لماذا كان يتحرك بلا صوت؟ولماذا كان يقلب شيئاً بيده حين رآه… ثم خبّأه بسرعة؟كان هذا السؤال يشعل صدره الآن وهو جالس داخل الزنزانة.

حتى لمونة، صبي عزيزة الأشْمونية…جاءه عصر ذلك اليوم السابق للجريمة.جلس بجواره…سأله أسئلة غريبة.كان يستمع لكلماته كأنه يريد أن يعرف أشياء…كأنه يريد أن يمسك كلمة… أو زلّة… أو إشارة.الغربي لم يفهم.لكنه شعر أن لمونة ليس بريئاً مثلما يبدو.هو كمان ممكن يكون ليه علاقة؟ليه كان مهتم يسمعني بالشكل ده؟وليه سألني عن مكان مفاتيحي؟كل شيء أصبح مريباً.فتح الغربي عينيه.الزنزانة عادت.الرائحة عادت.

الشك عاد أكبر.

من حوله مجموعة ست رجال: منصور الأعرج قاتلٌ يقول إنه لم يقصد… ثم يضحك. فتحي الدكر لصٌّ محترف، يفتخر بسرقاته كأنها شهادات تقدير. حجاج الفقي متسول، يظن نفسه فيلسوفاً ويردد:الدنيا يا ولاد… شوال رزق، وإنت دورك تلمّوه. سيد أبو خطوة متهم في قضية دعارة، يجلس في الزاوية خائفاً من ظله. حسن صبحي سياسي سابق، يتحدث عن جمال عبد الناصر وكأنه يعرفه شخصياً:– "الراجل ده كان بيحلم لمصر… لكن مافيش حد قدّه.

"وآخر… خالد كامل الخديوي شاب غريب في عينيه نار…يقول إنه من جماعة ترى أن "لا حكم إلا لله".يتحدث عن نفسه كأنه رسول مهمة.يدّعي أنه أصلح الناس وأكثرهم إيماناً.وكان ينظر إلى الغربي عمران باحتقارٍ صامت.الغربي لم يرد الاحتكاك بأحد.لكنه كان يستمع.

يراقب.يسجل.كان كل رجل في الزنزانة مرآة…تحكي جزءاً من العالم الذي سقط فيه دون قدرة على النهوض.في قلب الغربي عمران، كانت حربٌ تدور.

هل أنا بريء؟

أم أنا مجرد شخص ساذج…سمح للجميع أن يمشي فوقه دون انتباه؟كان يفكر في الحلق.حلق الخواجة وجدوه في شقته.لكن حلق عزيزة الاشموني؟لم يعثروا إلا على قطعة منه…في مكان بعيد عن شقته… في مخزن عبد الله طايع…حيث ضرب بدران الجهيني.بدران اعترف بأنه الغربي لم يقتله.

ذكر اسم ولد مزيرق.

لكن فقد الوعي قبل أن يكمل الحقيقه…وترك خلفه الدلائل المادية التي هي كلها ضد الغربي.والشرطة؟والنيابة؟وكل هؤلاء؟لم يروا شيئاً سوى:حلق في الشقة.علاقة بعزيزة.. شخصٌ كان معه في تلك الليلة… خليل… الذي لا يعرف أحد ما فعله حقاً.الغربي وضع يده على رأسه.تنفّس.

ثم قال بينه وبين نفسه:الناس كلها بتخون…ليه أستبعد حد؟عزيزة ...خليل… أبو المكارم… تمام… لمونة…كلهم وارد.

وارتجف.كان الليل يهبط على السجن.والزنزانة تضيق.والرجال يزدادون عصبية.منصور الأعرج بدأ ينظر إلى فتحي الدكر نظرات حادة.

فتحي يبتسم ابتسامة مستفزة.سيد أبو خطوة حاول الهرب من التوتر… التصق بالجدار.حجاج الفقي تمتم:الليل يا ولاد… بيكشف المعادن.ثم حدث الانفجار…منصور قفز على فتحي.سبّ، شتم، صرخ.فتحي ردّ عليه.ثم فجأة…أخرج منصور قطعة معدن صغيرة كان يخفيها في جوربه.

قطعة حادة… صغيرة… لكنها قاتلة.صرخ أحدهم:يا جدعان… ده هيموّت حد!واندفع منصور نحو فتحي بكل قوته.لو أصابت…لأزهقت روحاً.الغربي تحرك دون تفكير.قام واقفاً في لحظة.مدّ ذراعيه.

وقف بينهما.صوته خرج من صدره:كفاية! كفاية يا جدعان!لكن في ثانية…ثانية واحدة فقط…حركة سريعة…لمعة حديد…ورائحة دم.دخلت الطعنة في صدره.تجمّد الزمن.

تجمدت الزنزانة.تجمّد صوت السجّان في الممر.

نظر الغربي عمران إلى صدره…ثم إلى منصور…ثم إلى فتحي…ثم إلى الظلام الذي بدأ يبتلع أطراف رؤيته.وقع على الأرض.دمه ينساب كأنه يرسم خطاً يفصل بين براءته… وتهمته… وحياته كلها.

والأصوات في الخلفية تختلط:الغربي اتطعن!هاتوا المأمور!الواد بيموت! 

ده كان بيحوش…آخر ما رآه الغربي عمران قبل أن يغلق عينيه…كان الضوء الخافت يدخل من بين القضبان…يشبه بصيص الحقيقة الذي يبحث عنه.لكنه كان يبتعد…يبتعد…يبتعد…حتى صار نقطة صغيرة في آخر الروح.وابتلع الظلام كل شيء.

#الغربي_عمران#روايه بقلم #فرحات_جنيدي الي اللقاء في الفصل التاسع

تعليقات

التنقل السريع