القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران 9 الفصل التاسع رواية بقلم فرحات جنيدي


إشارات لا تُخطئ… ووجوه تعرف أكثر مما تقولسكونٌ ثقيلٌ يهبط على بيت الخواجة بشوي.سكونٌ يشبه ما قبل العاصفة… أو ما قبل الاعتراف.البيت العتيق بواجهته الخضراء يبدو الليلة كصندوق أسرار فُتح دون إذن.


الأضواء خافتة.الوجوه مشدودة.والعيون… تبحث عن شيء لا يجرؤ أحد على تسميته.كان الخواجة بشوي واقفًا عند رأس الطاولة، ذراعاه متشابكتان، وابتسامة صغيرة تنكسر على فمه… ابتسامة من رأى أكثر مما يظهر، وأخفى أكثر مما يقال.ابناه ميلاد وبطرس يتناطحان كالخراف الضالة.ميلاد يصيح:سرق الخزنة… وسرق تماثيل ثمنها اكتر من مليون جنية!

 وانتَ ساكت؟!بطرس يضرب الطاولة بقبضة مرتعشة:لماذا لم تُبلّغ الشرطة؟ لماذا خبّأت الموضوع كله؟!تتسع ابتسامة بشوي… ابتسامة ساخرة، ثابتة، كأنها مُعلّقة على وجهه منذ سنوات.ثم قال بهدوء يزلزل الأرض:ومن قال لكم إن الغربي عمران هو اللي سرق؟صمت.صمت كحد السكين.تلتفت الوجوه نحوه.تتسع العيون.يرتعش الهواء فوق رؤوسهم وكأن الحقيقة تتنفس.لكن الخواجة لا يشرح.يضحك فقط… ضحكة قصيرة، تشبه غطاء صندوق أسرار أعيد إغلاقه بإحكام.ثم يخرج… ويتركهما خلفه يتعاركان مع السؤال الذي سيُطارد هم في كل لحظة .في بيت أبو المكارم…الليل هنا ليس هادئًا.الليل صاخب بالذكريات، بالمخاوف، بأصوات نساء يتحركن في البيت كطائرات ورقية فقدت خيوطها.زوجته تلك المرأة ذات الوجهين تقف أمامه بعينين متعبتين.مرة تكون ملاكًا… ومرة قاسية كأنها خرجت من قلب صخرة.بناته الثلاث… جميلات، قلقات، يقتربن من سن لم يطرق بابهن فيه رجل، وكأن البيت يخفي لعنة صغيرة تمنع الخطّاب من الاقتراب.

الغرفة تمتلئ بأصواتهن:يا أبي… اذهب إليه.الغربي عمران وحده.الطعن وصلت لحد العظم يا أبي.وأبو المكارم… جالس على الكنبة العتيقة، رأسه بين كفيه، وذاكرته تمشي وحدها إلى زمن بعيد… زمن أم الغربي عمران.كانت أول امرأة يدق قلبه لها…لم يصارحها.لم يقترب.لكنه حمل حبها في قلبه مثل حجر كريم لا يُباع ولا يُعرض.يتنهد… ويتكلم مع نفسه أكثر مما يتكلم معهم:أنا اللي ربيته… أنا اللي سمّيته… أنا اللي شلته بعد ما مات أبوه بعد ما عاش الوجع والألم بعد النكسة… ومع كل ده… سايبينه يموت لوحده؟زوجته ترد بحِدّة:الموضوع عند الحكومة… الحكومة هتوديه المستشفى. ما تورطش نفسك.بناته يصرخن في وجهها:وهو إيه الحكومة دي؟!

ده راجلنا… ده تربيتك يا أبو المكارم!وأبو المكارم… يقف فجأة.يرتدي جلبابه.يلف الشاب ويضبط الطاقية على رأسه.مش هذوق الزاد قبل ما أطمن علي ولدي لا اطمن عليه.

زوجته تصرخ:ولدك؟!فيرد وهو يفتح الباب:لو كان لي ولد… ما كنت أحببته زي ما أحببت الغربي عمران.وخرج…وخرجت معه القصة كلها إلى منعطف جديد.على الطريق…يقابله أبوالمكارم لمونة، صبي عزيزة الأشموني.ركض نحوه بلهفة طفل غرق في فكرة الموت:يا معلم أبو المكارم… هو صحيح؟! 

هو انضرب بسكين؟! هو…ينهَره أبو المكارم:اخرس! وامشي في سكتك.ويمضي… لكنه يعرف أن لمونة سيصل بالخبر إلى عزيزة أسرع من البرق.في بيت عزيزة الأشموني…عزيزة تقف أمام المرآة.ليس لتتزين… بل لتواجه وجهها الذي يعرف الغربي عمران أكثر مما يجب.حين رأته أول مرة… رأت في عينيه شيئًا يشبه اليتامى الذين يكبرون قبل أوانهم.لمونة يركض.باب البيت يُفتح بعنف.عزيزة! الغربي… ضرب بسكين في الحبس… وهو دلوقتي في المستشفى!

لا تصرخ.لا تبكي.فقط ترتجف… وترتدي عباءتها بسرعة امرأة تعرف طريقها قبل أن تُسأل.حين يطرق الخبر الباب… يجدها واقفة تنتظره.تعالى يا لمونة… نروح سوا.ولا يسأل: لماذا؟فكل الأجوبة تتسكع في الطرقات حولهما ولا تحتاج إلى كلام.في المستشفى…الممر الأبيض يشبه كفنًا ممتدًا.

روائح المطهرات، خطوات مسرعة، صمت يقطع القلب كالزجاج.في الغرفة الخشبية الباردة…الغربي عمران ممدد على السرير…أسواره الحديدية تربط يديه بالسرير كأنها تقيّده من العودة إلى حياته.فتح عينيه بصعوبة…رأى ممرضة جميلة، واقفة عند رأسه، وابتسامة تشبه أول ضوء بعد ليل مظلم.حمداً لله على سلامتك يا عمران…يحاول الرد…لا يخرج سوى أنين خافت.تضع يدها على كتفه، وتطلب منه الراحة.


يلتفت يسارًا…فيرى بدران الجهيني.كان مقيدًا بدوره… فاقدًا للنطق… ملامحه محطمة ككتاب احترقت نصف صفحاته.لكن…عيناه كانتا حيّتين… مرعبتين… تراقبان.وحين دخلت عزيزة…وأبو المكارم…ولمونة بينهما مثل شاهد صغير على كارثة أكبر…ارتجف بدران.رفع يده بصعوبة.جاهد ليشير…بإصبعه… نحو الباب.إشارة قصيرة.واضحة.مفزعة.الغربي عمران يلتفت نحوهم…يراقب وجوههم.يرى ذهولًا… فزعًا… معرفةً دفينة.

الإشارة وقعت عليهم كالصاعقة.ثم…سقطت يد بدران.وانغلقت عيناه.الممرضة تصرخ:حد ينده الدكتور عبد المغيث!أبو المكارم يلتفت نحو الغربي عمران…ثم نحو عزيزة…ثم نحو لمونة…وجوههم تغيّرت.كأن الإشارة قصّت عنهم ستارًا…وكشفت شيئًا يعرفونه… أو يخافون أن يعرفوه.الغربي عمران…يتنفس بصعوبة…وينظر للجميع نظرة واحدة…نظرة تقول:هناك شيء أكبر… أكبر من السرقة… أكبر من الطعنة… أكبر من الدم.

الغربي عمران رواية بقلم فرحات جنيدي إلي اللقاء في الفصل العاشر

تعليقات

التنقل السريع