![]() |
| حسن امين الباحث فى علم الاقتصاد الافريقى |
في زمنٍ لم تعد فيه القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من موارد مادية، بل بما تمتلكه من قدرة على التأثير في العقول والقلوب، يبرز برنامج «دولة التلاوة» كأحد النماذج المصرية اللافتة التي تعكس فهمًا متقدمًا لمعنى الاستثمار الحقيقي: الاستثمار في الإنسان، والهوية، والوعي.
قد يتساءل البعض: ما علاقة برنامج ديني بالاقتصاد؟
والإجابة ببساطة أن الاقتصاد الحديث لم يعد حكرًا على المصانع والبورصات، بل بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف بـ القوة الناعمة، وهي تلك الأدوات غير المباشرة التي تصنع صورة الدولة، وتبني مكانتها، وتفتح لها أبوابًا اقتصادية أوسع وأكثر استدامة.
القوة الناعمة… حين تتحدث الهوية بلغة الاقتصاد
تمتلك مصر رصيدًا حضاريًا ودينيًا فريدًا، جعلها عبر التاريخ منارة للعلم والقرآن واللغة. وبرنامج «دولة التلاوة» لا يُعد مجرد مسابقة أو عرض إعلامي، بل هو إعادة تقديم لهذا الرصيد في قالب معاصر، يليق بعصر الصورة والمنصات الرقمية، ويخاطب الداخل والخارج في آنٍ واحد.
هذا الحضور الثقافي والديني المتوازن ينعكس اقتصاديًا من عدة زوايا. فعندما تُعزز الدولة صورتها كمرجعية للاعتدال والوسطية وجمال الأداء القرآني، فإنها تفتح الباب أمام سياحة دينية وثقافية، وتُعيد توجيه الأنظار نحو مصر باعتبارها حاضنة للهوية الإسلامية المستنيرة.
من الشاشة إلى السوق
لا يمكن إغفال العائد الإعلامي لمثل هذه البرامج. فالمحتوى الديني الراقي أصبح اليوم سلعة ثقافية عالمية، تتنافس المنصات الدولية على تقديمه. وإنتاج محتوى مصري عالي الجودة، يُصدَّر للعالم بلغته الأصلية وروحه الأصيلة، يخلق قيمة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، سواء من خلال البث، أو الشراكات الإعلامية، أو المنصات الرقمية.
كما يسهم البرنامج في اكتشاف مواهب شابة، لا في التلاوة فقط، بل في مجالات الإخراج، والتقديم، والترجمة، والتنظيم، وهو ما يعني خلق فرص عمل غير مباشرة، واستثمارًا في رأس المال البشري، وهو أغلى ما تملكه أي دولة.
الاستثمار في الاستقرار
الاقتصاد لا يزدهر في بيئة مضطربة، والاستقرار المجتمعي أحد أعمدة النمو. ومن هنا، فإن دعم الخطاب الديني المعتدل، وتعزيز الذوق العام، والارتقاء بالوعي، كلها عوامل تقلل من كلفة التطرف والانقسام، وهي كلفة باهظة تدفعها الدول من أمنها واقتصادها معًا.
برنامج «دولة التلاوة» يقدم نموذجًا ناعمًا لبناء الوعي، دون صخب أو توجيه مباشر، وهو ما يجعله أكثر تأثيرًا وأطول عمرًا.
تكلفة محدودة… وعائد ممتد
إذا ما قورنت تكلفة البرنامج بعوائده المتراكمة، سنجد أننا أمام نموذج واضح لـ الإنفاق الاستثماري الاجتماعي، حيث لا يُقاس العائد بالأرقام السريعة، بل بالأثر الممتد على صورة الدولة، ومكانتها، وثقة مواطنيها بأنفسهم وهويتهم.
خلاصة القول
إن «دولة التلاوة» ليس برنامجًا دينيًا فحسب، بل هو رسالة ثقافية واقتصادية وسيادية، تؤكد أن مصر حين تستثمر في صوتها الحضاري، فإنها تستثمر في مستقبلها الاقتصادي.
فالإنفاق على الوعي ليس ترفًا، ولا مجاملة ثقافية، بل خيار اقتصادي استراتيجي طويل الأمد.

تعليقات
إرسال تعليق