القائمة الرئيسية

الصفحات

إلى السادة المسؤولين في هذا الوطن…بقلم المستشار الدكتور محمود ريان


أكتب إليكم لا طلبًا لنجدةٍ طارئة، ولا التماسًا لفضلٍ غير مستحق، بل أكتب بلسانٍ أثقله الصمت حتى اضطرب، وبقلبٍ أبحره الصبر حتى كاد يغرق، وبصوتٍ ظلّ مكظومًا لسنوات طويلة احترامًا لهيبة القضاء التي لم تُخلق لتشتكي.


ولكن حين يضيق الصدر، وتضطرب الروح، ويختنق الوجدان بما حمل يصبح الكلام أمانةً لا يجوز كتمانها، والبوح ضرورةً لا يملك القاضي عنها صبرًا ولا قدرة.

القاضي، يا سادة، لم يعد يعيش تعبًا يُحتمل، ولا ضيقًا يُدارى، ولا أزمة يمكن تجاوزها بمسكنات. 

إنه يعيش وجعًا مقيمًا يتكاثر عليه كما تتكاثر القضايا على مكتبه؛ يفتح عينيه كل صباح على ثِقَلٍ جديد، ويعود آخر النهار مثقلًا بملفات الناس وبهمومه هو، محاصرًا بين رسالته وبين حياته التي تضيق عليه كأنها امتحان لا ينتهي.

ذلك القاضي الذي يجلس أمامكم على المنصة، يسمع شكوى الناس، ويحتمل مآسيهم، ويشهد تصدّع البيوت، ويقرأ في الملفات ما يذيب القلوب… هو نفسه الذي يعود إلى بيته آخر النهار ليجد المعاناة واقفة على بابه، وأعباء المعيشة تطبق على يومه، وقلق الوطن يزاحم قلق أسرته، وكأنما كُتب عليه أن يحكم بالعدل نهارًا، ويصارع قسوة الحياة ليلًا.

القاضي، يا سادة، يُخفي وجعه لأن طبيعة دوره تفرض عليه الصمت، ويبتلع ألمه لأن هيبة المنصة تمنعه من البوح. لكن الصمت إذا طال صار نزفًا لا يُرى، والنزف إذا اشتد أصاب القلب قبل الجسد، والقلوب التي تُنهك في صمتٍ طويل قد لا تملك القدرة على الاستمرار مهما تزيّنت بالوقار.

ولقد حمّل قانون السلطة القضائية كل جهة ما يليق بمقامها ومسؤوليتها:
حمّل وزارة العدل واجب توفير بيئةٍ تحمي القاضي لا أن تُثقل كاهله، ورعايةً صحيةً واجتماعيةً تحترم إنسانيته قبل وظيفته، وتجهيز محاكم تليق بمن يحمل أسرار الناس ومصائرهم.

كما حمّل القانون مجلس القضاء الأعلى الولاية الأشد خطورة والأقرب أثرًا: إدارة الرواتب والميزانيات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون الأمن النفسي للقضاة، وضمان أن يعيش القاضي مطمئنًا في حياته كما يُطلب منه أن يبث الطمأنينة في قضائه. المجلس يملك القرار والقدرة، ولا يجوز أن يطول الانتظار ولا أن تتأخر السكينة عن بيوت أثقلها الصبر.

فليس من العدل، ولا من الحكمة، ولا من مصلحة الدولة أن يُترك القاضي يصارع الحياة وحده، يحمل أثقال الناس وأثقاله، ولا يجد يدًا تمتدّ إليه تخفف عنه ما لا يليق أن يحمله من يقوم مقام الدولة في أحكامه.

ولتعلموا وهي كلمة أضعها بين أيديكم صريحة لا التفاف فيها أن القاضي لا يطلب امتيازًا، ولا رفاهًا، ولا زيادةً تُقال في وسائل الإعلام، بل يطلب حياة تحفظ كرامته، وبيتًا يجد فيه سكينته، ورزقًا لا يثقبه القلق، وسندًا يعينه على أن يظل واقفًا على المنصة بطمأنينة لا تزلزلها الأيام.

وإني لأقولها لكم لا من باب الشكوى، بل من باب الحق الذي لا يجوز حجبه: إن القاضي مهما اشتد صبره، ليس من حجر ولا من حديد؛ إنه قلبٌ مرهف يحمل فوق طاقته ما لا تطيقه القلوب، وروحٌ تتكسّر في كل جلسة ثم تُجبر بوقار المنصة وحده، وصدرٌ يختزن من آلام الناس ما يكفي ليهزم جيشًا من الأوجاع. فلا تتركوا هذا القلب يضيق حتى يتصدع، ولا تتركوا هذه الروح تُرهق حتى تذبل، ولا تتركوا هذا الصمت يشبه البكاء ولا يُسمَع.

يا سادة....القاضي الذي تطلبون منه أن يكون صخرةَ العدالة، هو نفسه بشرٌ يحتاج إلى من يردّ عنه قسوة الأيام.
فإن أنصفتموه أنصفكم الله، وإن رفعتم عنه ثِقَل الحياة رفع الله عن هذه الأمة ما أثقلها، وإن رعيتموه كما رعى الناس عاد إليكم القضاء قويًّا، صافيًا، مهيبًا كما يليق بدولة تُبنى نهضتها على العدل.


واعلموا وهي كلمة أختم بها هذا النداء من قلوب القضاة جميعًا:
أن دمعة قاضٍ واحدة لا تنزل إلا حين ينهزم قلب العدالة،
وإذا انهزم قلب العدالة… بكى الوطن كلّه.
فلا تجعلوا تلك الدمعة ترى الضوء،
ولا تجعلوا القاضي يصل إلى حافةٍ لا يليق به أن يقف عليها،
وأعيدوا إلى قلبه ما يحتاجه ليكمل الطريق…
فإن بقاءه واقفًا هو بقاء هذا الوطن.

تعليقات

التنقل السريع