القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران 16الفصل السادس عشر رواية بقلم فرحات جنيدي


 لم يكن الصباح صباحًا.كان جنازةً خرجت قبل الميت.استيقظت إمبابة على هواءٍ باردٍ ككفٍّ ميتة،والسماء ملبّدة بلونٍ رماديٍّلا هو غيمولا هو صفاء.الشوارع فتحت عيونها متعبة،والأزقة تمطّت كجسدٍأُجبر على النهوض بعد طعنة.حتى الكلاب الضالة لم تنبح،كأنها تشمّ موتًاأكبر من قدرتها على العواء.

السوق لم يصحُ…السوق تحفّز.العجلات الحديدية احتكت بالأرض الرطبةبلا صخبها المعتاد،وصوت الباعة خرج مكسورًا،والشتائم التي كانت تُرمى كالنكاتسقطت اليوم ثقيلةً كالأحجار.الهواء كان ملوّثًا بشيءٍ لا يُرى،شيءٍ يشبه الخوفحين يتخفّى في هيئة انتظار.في قلب السوق،وقف المعلم تمام خلف نضد المقهى،كأن الخشب نفسهصار أقدم في لحظة واحدة.

لم يشغّل الراديو.لم يصرخ في الصبية.لم يطلب الحساب من أحد.كان يحدّق في الوجوه…ويعرف.يعرف أن السوق حين يصمتفهذا لأنه سمع شيئًالا يُقال.صبي المقهى جلس في الزاوية،يدسّ يديه في حجره،يراقب الشفاه المرتعشة،ويعدّ الأنفاسالتي لا تخرج كاملة.وفي آخر السوق،حيث تختلط رائحة الخضار بالقهوة القديمة،كانت المعلمة عزيزة الأشمونيواقفة خلف ميزانها.الميزان الذي شهد أفراحًا وجنازات،وشهد رجالًا كبرواثم صغروا.

يدها ثابتة،لكن عينيها لا.كانت تنظر إلى الصبي لمونةكأنها تخشىأن يسأل سؤالًالا إجابة له.لمونة،الصبي الذي كان يضحك بلا سبب،وقف اليوم صامتًا،يحمل صينية الشايكمن يحمل قلبًا زائدًا عن حاجته.اقترب وهمس:— هو مات بجد؟لم تجبه فورًا.ضغطت على الميزان بلا حاجة،ثم قالت بصوتٍ خرج متعبًا: اللي يموت مش اللي يمشي…اللي يموت هو اللي كان شايل الناسومش لاقي حد يشيله.لمونة بلع ريقه.نظر إلى السوق.إلى الوجوه التي فقدت أسماءها.

وسأل: طب وإحنا؟لم ترد.لأن السؤال كان أكبر من السوق.على بُعد خطوات،وقف المعلم أبو المكارمأمام دكانه.صدره مرفوع كعادته،لكن ظهره من الداخلكان منكسرًا.الرجل الذي لا يعرف الرحمة في البيع،ولا التهاون في الحساب،نسي الدفاتر،ونسي الديون،ونسي حتى نفسه.

قال لتجار السوق الأوائل،الذين شاركوه الخبز والخصومة: البلد داخلة على ليل طويل…واللي ما يعرفش يمشي في الضلمةيتداس.لم يرد أحد.كلٌّ كان مشغولًابتفقد قلبه:هل ما زال في مكانهأم سقط مع الخبر؟الخواجة بشوي دخل دكانه،وجهه مشدودكعملةٍ على وشك الكسر.لم يخلع ساعته.لم يلمس الذهب.جلسكمن حضر جلسة محاكمةلا يعرف فيها التهمة.في ميدان الترولي،الأطفال لعبوا بلا شهية،والنساء لم يضحكن،والرجال نسوا الأسعار.كان هناك شيءمعلّق فوق الرؤوس،شيء ينتظرأن يسقط.في شقةٍ مطلّة على الميدان،كان عبدالله طايع واقفًا خلف النافذة.

الرجل الذي لا يعرف الرحمة،ولا يصدّق إلا القوة،شدّ قبضته ببطء.لم يحزن.لم يترحّم.قال في نفسه:اللي كان ماسك العصاية وقع…والسوق ما يحبش الفراغ.ابتسم ابتسامةً باردة،ابتسامة رجليشمّ الفرصةوسط الجنازات.أما أبو زيد عبد المقصود،مدير التموين الكبير،فجلس في مكتبهكأن الكرسيخان ظهره.

فتح درج المكتب.أغلقه.فتح درجًا آخر.الأوراق أمامهصارت بلا معنى.لم يفكر في الزعيم.فكر في الكرسي.في الاسم.في الملفات التي قد تُفتح.قال بصوتٍ منخفض:اللي كان ساتر… مات.ثم أضاف:والحساب جاي.

في المستشفى الخشبية،كان الغربي عمران مستيقظًاكمن سبقه الموت بخطوة.جسده ساكن،لكن صدرهيعجّ بضجيج لا يسمعه أحد.

كأن قلبه يدقّ على بابٍلن يُفتح.بدران الجهينيفي السرير المقابل،عيناه معلّقتان في السقف،كأنهما تحاولان اختراقهوالهروب من المكان.لا أحد يتكلم.حتى الأجهزةخفّفت صوتهااحترامًا لشيءلم يحدث بعد.ثم…انفتح الراديو في الممر.صوت مذيعٍ متوتر،يتلعثمكمن يحمل خبرًاأثقل من لسانه.

جملة…ثم صمت…ثم الجملة التي كسرتالعمود الفقري للبلد:«توفي الرئيس جمال عبد الناصر.»لم يصرخ أحد.المدينة تلقّت الصفعةثم تراجعت نصف خطوة.في المقهى،تجمّدت الأكواب في الأيدي.المعلم تمامجلس ببطء،كأن العظامقررت فجأة أن تثقل.

لم يقل:الله يرحمه ولا قال:مصر راحتقال فقط في سره:خلصت.الخواجة بشويأغمض عينيه.حين فتحهما،كان الذهبفقد لمعانه،وصار معدنًا عاديًالا يشتري الأمان.

في السوق،سقط صندوق طماطم.تدحرجت الثمرات على الأرضكأنها قلوبخرجت من صدور أصحابها.لم ينحنِ أحد.لم يكن هناك ظهرقادر على الانحناء.

النساء وضعن أيديهن على أفواههن،والرجال رفعوا رؤوسهم للسماءكمن يطالبهابتفسيرٍ فوري.في قسم الشرطة،وقف المأموريرى المدينةتتحول إلى كائنٍ فاقد التوازن.

قال بهدوءٍ مخيف: البلد داخلة على نفق.لم يحتج أحدإلى شرح.في المستشفى،جلس الغربي عمرانعلى حافة السرير.نظر إلى بدران الجهيني.— يعني إيه؟قالها بلا صوت.

رد بدرانبعد صمتٍ ثقيل: يعني اللي كان شايل البلد… وقع.دخل مهاب المنفلوطيمقر عمله،وجهه شاحب كقميصٍ غُسل بالخطأ.

لم يوزّع أوامر.قال فقط:الشوارع ولّعت.في الخارج،لم يكن البكاء بكاءً.كان انفجارًا بطيئًا.ناس خرجت من البيوت بلا هدف،صرخات بلا كلمات،نساء يلطمن الصدر،رجال واقفون بلا دموع كأنهم فقدوا الإذن بالبكاء.

مصر كلها وقفت في المنتصف…لا تعرفهل تجلس للعزاءأم تستعد للذبح.حازم التوّابفي مكتبه،الملفات أمامهبلا معنى.كان يعرف أن الفراغحين يدخل السياسةيخرج الدم.قال في نفسه:اللي جاي مش حزن…اللي جاي حساب.في غرفة المستشفى،وقف بدران عند النافذة.نظر إلى المدينة،وقال دون أن يلتفت: الليلة ديمش هتعدّي على خير.

الغربي عمرانلم يرد.كان قلبه يدقّكطبلة حربلم تبدأ بعد.دخلت الممرضه جميله مسرعًا: الناس نازلة الشارع…الكل رايح يشيّع.نظر الطبيب إلى الغربي عمران: حالتك ما تسمحش.رد الغربي بهدوءٍل.

ا يقبل نقاشًا:— ولا البلد تسمح.اقترب بدران الجهيني:— هنخرج؟قال الغربي عمران:مش هنخرج… احنا مساجينإحنا هننزل.حاولوا منعه.خوّفوه.ذكّروه بالموت.ابتسم ابتسامة رجلاختار موتهدخولFarahatبنفسه. الزعيم ماشي…وأنا مش هقعد في السريروأسيب البلدتمشي لوحدها.ارتدى ثيابه ببطء،كمن يلبس قدره.

فتح باب الغرفة،وكانت المدينة كلهاواقفة خلفه.في تلك اللحظة،لم يكن الغربي عمرانرجلًا جريحًا،ولا بدران ناجيًا من موتٍ مؤجل.كانا شاهدينعلى بلدٍ فقد صوته،وبدأ يتكلمبالسكين.انتهى الصباح…ولم ينتهِ اليوم.وبدأت مصرتتعلّم المشيبدون ظلّ.

#الغربي_عمران#رواية بقلم #فرحات_جنيديالي اللقاء في الفصل السابع عشر

تعليقات

التنقل السريع