القائمة الرئيسية

الصفحات

الحروب الحديثة وازمة كلاب الشوارع بقلم لواء دكتور : أشرف السعيد أحمد

لواء دكتور : أشرف السعيد أحمد

حروب الجيل التاسع هى احدث اساليب الحروب الحديثة تهدف لإشغال الدولة بملفات داخلية متشابكة، وإبقائها في حالة دفاع إدراكي دائم، بما يحدّ من قدرتها على المبادرة الخارجية، أو على صياغة سردية إقليمية مضادة، وهو ما يفسر كثافة الحملات الإعلامية العابرة للحدود التي تستهدف الدول، والتي لا تسعى بالضرورة إلى تغيير النظام، بقدر ما تسعى إلى استنزاف الطاقة الذهنية للدولة والمجتمع.


ويمكن الإشارة بوضوح إلى أزمة الكلاب الضالة في مصر بوصفها نموذجًا دالًا على كيفية استغلال القضايا المجتمعية اليومية في إطار حروب الجيل التاسع، ليس لأن الأزمة في ذاتها مصطنعة أو غير حقيقية، بل لأن طريقة توظيفها إدراكيًا وإعلاميًا تكشف بجلاء آليات هذا النمط من الحروب في تحويل مشكلة خدمية أو بيئية قابلة للإدارة إلى أداة ضغط نفسي وسياسي ومعنوي تستهدف صورة الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

فأزمة الكلاب الضالة في السياق المصري تُعد في أصلها قضية مركبة ذات أبعاد بيئية وصحية وتشريعية وثقافية، تتداخل فيها عوامل مثل النمو السكاني، والتمدّد العمراني، وضعف ثقافة الرفق بالحيوان، ونقص الموارد، وتراكم الإهمال الإداري عبر سنوات طويلة، وهي عوامل موجودة بدرجات متفاوتة في كثير من دول العالم النامي، غير أن ما يميز توظيف هذه الأزمة في إطار حروب الجيل التاسع هو نقلها من مستوى المشكلة العامة إلى مستوى الرمز الإدراكي الذي يُستخدم لإنتاج سرديات أوسع عن العجز، واللامبالاة، وانعدام الإنسانية، وفشل الدولة في أبسط وظائفها.

إن إدراج أزمة الكلاب الضالة ضمن تحليل حروب الجيل التاسع لا يُعد مبالغة، بل يُمثل مثالًا تطبيقيًا واقعيًا على كيف تتحول القضايا الصغيرة أو المتوسطة إلى أدوات استراتيجية في حرب الإدراك، وكيف يمكن لمشهد واحد أو وسم رقمي أو حملة عاطفية أن يُستخدم لإعادة إنتاج صورة ذهنية سلبية عن الدولة والمجتمع، وهو ما يؤكد أن الدفاع الإدراكي في مصر لا بد أن يشمل القضايا اليومية، لا بوصفها ملفات هامشية، بل باعتبارها مداخل محتملة للاختراق الإدراكي إذا أُهملت أو أُسيء التعامل معها.

وتتمحور الأزمة في ظاهرها حول إشكالية واقعية لا يمكن إنكارها، وهي الزيادة الملحوظة في أعداد الكلاب الضالة في الشوارع والميادين والمناطق السكنية، وما يترتب على ذلك من مخاوف أمنية وصحية حقيقية لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين يواجهون خطر العقر، ونقل الأمراض، وحالة الذعر اليومي، خصوصًا في المناطق الشعبية والريفية ومحيط المدارس، وفي المقابل تظهر جمعيات ونشطاء الرفق بالحيوان بوصفهم صوتًا أخلاقيًا يدافع عن حق الكلاب في الحياة، ويرفض أساليب القتل أو التسميم، ويطالب بحلول إنسانية مثل التعقيم والإيواء، وبين هذين الطرفين تقف الدولة في موقع بالغ الحساسية تحاول فيه إدارة أزمة معقدة ذات أبعاد متناقضة وبموارد محدودة وتحت ضغوط داخلية وخارجية متزامنة. 

غير أن التحول الخطير في هذه الأزمة لا يكمن في وجود الخلاف ذاته، لأن الخلاف طبيعي في أي مجتمع، بل في كيفية إدارة هذا الخلاف إدراكيًا، حيث تتدخل قوى خفية أو شبكات تأثير غير معلنة لتغذية الصراع بدل تهدئته، من خلال ضخ أخبار زائفة ومعلومات مضللة للطرفين في الوقت نفسه، فالشعب يتلقى محتوى مكثفًا يضخم حوادث الهجوم ويُعيد تدوير مقاطع قديمة أو من سياقات مختلفة على أنها وقائع يومية متكررة، بما يخلق شعورًا بأن الدولة فقدت السيطرة تمامًا على الشارع، بينما تتلقى جمعيات الرفق بالحيوان محتوى آخر يركز على مشاهد قاسية أو حالات فردية تُقدَّم باعتبارها سياسة ممنهجة أو سلوكًا عامًا، بما يعزز قناعة بأن الدولة والمجتمع يمارسان عنفًا منظمًا ضد الكلاب.

وفي هذا السياق، لا يعد الطرفان قادرين على رؤية بعضهما البعض بوصفهما شركاء محتملين في الحل، بل يتحول كل طرف إلى خصم أخلاقي، الشعب يرى النشطاء بوصفهم منفصلين عن الواقع وغير معنيين بسلامة الإنسان، والنشطاء يرون الشعب بوصفه قاسيًا أو متوحشًا، والدولة تُصوَّر للطرفين بوصفها إما متخاذلة أو متوحشة، وهو بالضبط النمط الإدراكي الذي تسعى إليه حروب الجيل التاسع، حيث يتم تفكيك المجتمع إلى كتل نفسية متصارعة، مع تعطيل أي مساحة وسطية عقلانية.

وتزداد خطورة المشهد حين يتم توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كأداة حسم غير متكافئة، إذ تمتلك جمعيات الرفق بالحيوان ونشطاءها تنظيمًا رقميًا عالي الكفاءة، وقدرة على صناعة السردية، وإطلاق الوسوم، والتواصل مع إعلام دولي ومنصات عالمية، وهو ما يمنحهم صوتًا أعلى بكثير من حجمهم العددي داخل المجتمع، بينما تظل الأغلبية المتضررة من انتشار الكلاب غير منظمة رقميًا، وتعبر عن غضبها بشكل عشوائي أو فردي، وهو ما يخلق اختلالًا إدراكيًا بين الواقع الاجتماعي والانطباع الرقمي، فتبدو الدولة وكأنها تستجيب لأقلية عالية الصوت على حساب أغلبية صامتة.

هذا الاختلال لا يُترجم فقط إلى غضب شعبي، بل إلى شعور أعمق بالظلم الإدراكي، حيث يترسخ لدى المواطن انطباع بأن معيار الاستجابة ليس حجم المعاناة الفعلية، بل حجم الضجيج الإعلامي، وهو شعور شديد الخطورة لأنه يقوض الثقة في عدالة الدولة وقدرتها على تمثيل المصلحة العامة، حتى وإن كانت الدولة في الواقع تحاول الموازنة بين اعتبارات متعارضة.

ومن منظور حروب الجيل التاسع، فإن أخطر ما في هذه الحالة هو استنزاف الدولة على مستويات متعددة في آن واحد، فهي تُستنزف ماليًا عبر تبني حلول مكلفة مثل برامج التعقيم والإيواء دون بنية تحتية كافية، وتُستنزف إداريًا عبر تعدد الجهات المعنية وتضارب الاختصاصات، وتُستنزف نفسيًا وإدراكيًا عبر الضغط الإعلامي المستمر الذي لا يترك مساحة لالتقاط الأنفاس أو التقييم الهادئ، وفي الوقت ذاته لا تُمنح الدولة فرصة لتحقيق إنجاز يُحسب لها، لأن أي خطوة تُتخذ تُواجَه فورًا بحملة تشكيك من أحد الطرفين أو كليهما.

ويتعاظم هذا الاستنزاف حين يتم تدويل الأزمة، حيث تُستخدم لغة حقوق الحيوان العالمية، ويتم مخاطبة منظمات دولية وجمعيات أجنبية، وتُقدَّم الأزمة خارج سياقها المحلي بوصفها دليلًا على انتهاكات أو تخلف أو غياب إنساني شامل، وهو ما يضع الدولة تحت ضغط خارجي يدفعها أحيانًا إلى اتخاذ قرارات لا تنبع من أولوياتها الوطنية، بل من رغبتها في تقليل الكلفة الإدراكية على صورتها الدولية، وهو مسار كلاسيكي في حروب الجيل التاسع يقوم على إعادة تدوير الضغط من الخارج إلى الداخل.

وفي هذا الإطار، تصبح حقيقة أن جميع الحلول لا ترضي جميع الأطراف مادة جاهزة للهجوم الإدراكي، إذ يتم تقديم هذا الواقع الطبيعي بوصفه فشلًا سياسيًا أو أخلاقيًا، لا بوصفه نتيجة حتمية لتعقيد الأزمة، ومع تكرار هذا النمط يتكون انطباع تراكمي بأن الدولة دائمًا ضعيفة أو مترددة أو خاضعة، حتى وإن كانت تتحرك فعليًا، وهو ما يحقق الهدف النهائي لحرب الإدراك المتمثل في كسر صورة الدولة القادرة دون إسقاطها فعليًا.

وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن هذا النموذج قابل للتكرار في ملفات أخرى، فإذا نجح في أزمة الكلاب الضالة، يمكن إعادة إنتاجه في قضايا البيئة، أو التعليم، أو الصحة، أو الدعم، أو المرور، بحيث تتحول كل أزمة خدمية إلى ساحة اشتباك إدراكي تستنزف الدولة وتُعمّق فجوة الثقة بينها وبين المجتمع، دون حاجة إلى أي مواجهة مباشرة.

تعليقات

التنقل السريع