القائمة الرئيسية

الصفحات

حين تقرأ مصر: معرض الكتاب بين التاريخ والمشهد الراهن بقلم/ حسن امين



منذ انطلاقه عام 1969، لم يكن معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد فعالية ثقافية دورية، بل كان ـ ولا يزال ـ أحد تجليات المشروع الوطني المصري لبناء الإنسان. جاء المعرض متزامنًا مع الاحتفال بمرور ألف عام على تأسيس القاهرة، ليؤكد منذ لحظته الأولى أن الدولة المصرية تنظر إلى الثقافة باعتبارها ركيزة من ركائز السيادة والهوية، لا نشاطًا هامشيًا أو ترفًا نخبويًا.


واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يعود المعرض ليتصدر المشهد بأرقام غير مسبوقة، وبحضور جماهيري يقترب من الملايين، في لحظة فارقة تفرض قراءة أعمق تتجاوز الاحتفاء إلى التحليل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

من سور الأزبكية إلى الدولة الحديثة

يشكّل سور الأزبكية، بتاريخِه الممتد منذ القرن التاسع عشر، الضمير الشعبي لحركة القراءة في مصر. وجوده داخل المعرض ليس تفصيلًا رمزيًا، بل تعبير عن فلسفة مصرية أصيلة ترى أن المعرفة يجب أن تكون متاحة للجميع. هذا الدمج بين الثقافة الشعبية والمؤسسية يعكس نموذج الدولة التي لا تقطع مع تاريخها، بل تعيد توظيفه في مشروعها الحديث.

الأرقام تتكلم: الثقافة كقوة جماهيرية

في دورته السابعة والخمسين، سجّل معرض القاهرة الدولي للكتاب أكثر من 6.2 مليون زائر خلال فترة انعقاده، مع وصول عدد الزوار في بعض الأيام إلى ما يقارب 800 ألف زائر في يوم واحد. هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها كإنجاز تنظيمي فحسب، بل كمؤشر اجتماعي واقتصادي بالغ الدلالة.

فنحن أمام حدث ثقافي يجذب جمهورًا يفوق عدد سكان بعض الدول، دون تسجيل ظواهر عنف أو انفلات، وهو ما يعكس حالة من الانضباط المجتمعي، وشعورًا عامًا بالأمن، وقدرة مؤسسات الدولة على إدارة التجمعات الكبرى بكفاءة.

من منظور اقتصادي، يمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب نموذجًا متكاملًا لـ اقتصاديات الثقافة، وهي أحد الفروع الصاعدة في الاقتصاد المعاصر. فالمعرض لا يقتصر أثره على مبيعات الكتب، بل يُنشئ سلسلة قيمة اقتصادية ممتدة تشمل:

دور النشر (1457 دار نشر)

المطابع وسلاسل الإمداد

النقل والخدمات اللوجستية

العمالة المؤقتة والدائمة

السياحة الداخلية وحركة الإنفاق المصاحب

كما أن مشاركة دور نشر من 83 دولة وأكثر من 6600 عارض تعني تدفقات مالية مباشرة وغير مباشرة، وعلاقات تعاقدية، وتبادل حقوق نشر، وهو ما يضع المعرض ضمن أدوات الدبلوماسية الاقتصادية الثقافية.

الأهم من ذلك أن الإنفاق على الكتاب لا يُعد استهلاكًا بالمعنى التقليدي، بل استثمارًا في رأس المال البشري. فكل جنيه يُنفق على المعرفة ينعكس، على المدى المتوسط والطويل، في صورة إنتاجية أعلى، ووعي اجتماعي أوسع، وقدرة أفضل على الابتكار والتكيف مع التحولات العالمية.

البعد الاجتماعي: بناء الوعي في زمن الضغوط

اجتماعيًا، يكشف الإقبال الكثيف عن حاجة حقيقية داخل المجتمع للمعرفة كوسيلة للفهم والمقاومة الناعمة للضغوط الاقتصادية. فالمجتمعات التي تلجأ إلى الثقافة في أوقات التحدي، هي مجتمعات تمتلك مخزونًا حضاريًا يسمح لها بالصمود وإعادة التوازن.

مشهد الأسر والشباب والأطفال داخل أروقة المعرض يؤكد أن الوعي لم يُهزم، وأن الرهان على بناء الإنسان لم يذهب سدى.

الدولة والندوات: الثقافة كأمن قومي

شهد المعرض برنامجًا ثقافيًا واسعًا شارك فيه كبار مسؤولي الدولة، ومفكرون، وعلماء، وشخصيات عامة، إلى جانب مؤسسات كبرى مثل الأزهر الشريف. هذه المشاركة لا تعكس فقط دعمًا رسميًا، بل إدراكًا استراتيجيًا بأن الأمن القومي لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالعقل الواعي.

حين تقرأ مصر بهذا الزخم، فإنها تؤكد للعالم أن مشروعها لا يقتصر على البنية التحتية والاقتصاد الكلي، بل يمتد إلى الإنسان بوصفه جوهر التنمية. ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، بما يحمله من تاريخ ورقم وحضور، يثبت أن الثقافة في مصر ليست هامشًا، بل قلب المعادلة الوطنية.

فالأمم التي تستثمر في الوعي، لا تخشى المستقبل… ومصر، حين تقرأ، تعرف إلى أين تتجه.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع