![]() |
ي للصحة النفسية دكتور/ عبدالعزيز آدم عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية |
لا يمثل كتاب «عهد الروح» مجرد نصوصٍ حُبست بين غلافين، ولا هو محاولة لإيجاد أجوبة نهائية لأسئلة الوجود المحيرة؛ بل هو حالة من الإنصات المهيب لضجيج التساؤلات الذي لا ينقطع في أعماقنا. نحن هنا لا نطارد الـ "لماذا" والـ "كيف"، فالروح في جوهرها لا تعطش للتفسيرات المنطقية الجافة، بل تتوق إلى "الاعتراف" بكيانها، وبأوجاعها، وبأحلامها التي بقيت معلقة في منتصف الطريق.
في ممرات النفس وسراديب الشعور:
بين طيات هذا العمل، أنت لا تكتفي بقراءة نصوص أدبية، بل تعبر ممراتٍ ضيقة في سراديب النفس العميقة؛ حيث يتقاطع صدى الذاكرة مع حرارة اللحظة الآنية. هنا، يتجلى الصمت كفعل لغوي مكتمل الأركان، يضاهي في فصاحته أبلغ الكلمات، ويصل الشعور إلى ذروة صدقه حين يتحرر من قيود التبرير، ويكف عن محاولة إقناع العالم بجدوى وجوده.
المنطقة المعلقة بين الوجود والغياب
هذا الكتاب لا ينساق خلف منطق الخطوط المستقيمة التي تبدأ بنقطة وتنتهي بأخرى، بل يُكتب من تلك "المنطقة البينية" المعلقة في الفراغ؛ تلك اللحظة التي يتجمد فيها الزمن لنطرح السؤال الأهم: هل تطوى الحكايات حقاً وتغيب؟ أم أنها تعيد صياغة حضورها في أرواحنا بصورٍ وأطيافٍ متجددة؟

إن «عهد الروح» هو الترجمة الحية لأصوات أولئك الذين ذاقوا مرارة "الفقد" بكل ثقله، لكنهم تمردوا على أن يكون الفقد قيداً لهم. إنه إدراكٌ عميق بأن أعظم الوعود هي تلك التي لا ينطق بها لسان، ولا توثقها الأوراق، ولذلك تظل عصية على الكسر رغم توالي الأيام. إنها وعودٌ تُعاش في مساحة مقدسة، لا تطالها خيبات الواقع ولا تلوثها انكسارات البشر.
ما وراء الزمان والمكان:
هذه الخواطر ليست ندباً على الأطلال، ولا وجعاً يستجدي الشفقة؛ بل هي تجسيد لحالة نضج إنساني فريد، وفهم عميق بأن الألم ليس خصماً للنور، بل قد يكون هو "الزيت" الذي يبقي المصباح مشتعلاً. الغياب هنا لا يعني الانطفاء، بل هو صورة أخرى من صور "الحضور الخفي"؛ فما تعاهدت عليه الأرواح في عالمها العلوي، لا يخضع لقوانين الفناء الأرضي، ولا تترك تجاعيد السنوات عليه أثراً.
دعوة لاستعادة الذات البكر:
ستجد نفسك في هذا الكتاب أمام نصوصٍ تماثل "الهمس الكوني"؛ كلمات لا تصرخ ولا تفرض سلطتها، بل تتسلل إلى وجدانك كضوءٍ هادئ، تمنحك الحرية لترى فيها انعكاسك الخاص، كما تلمح وجهك في مرآةٍ صافية لم يمسسها غبار الزيف. إنها دعوة للعودة.. ليست عودة مادية لأشخاصٍ رحلوا أو أمكنة اندثرت، بل هي إيابٌ إلى "الأصل"؛ إلى ذلك الجزء النقي فيك الذي لم يبع شعوره الأول في أسواق المقايضات، ولم يتنازل عن يقينه بوجود روابط سرية تجمعنا، روابط تتخطى حدود الإدراك المنطقي وتتعالى على هشاشة الذاكرة.
إذ قرأت سطراً وشعرت أن نبضك يتسارع، أو أن الكلمات تناديك باسمك السري الذي لا يعلمه أحد، فلا تندهش.. فالحكاية ببساطة هي أن هناك "عهداً قديماً" لم يُكتب بحبر المطابع، بل نُقش في أزل الروح، وقد آن أوان استحضاره.

تعليقات
إرسال تعليق