القائمة الرئيسية

الصفحات

تحويل القبلة واستقلالية الأمة الدكتور أسامه مختار

 الدكتور أسامه مختار

 الحمد لله الذي جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، وجعلها مثابةً للناس وأمناً.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لكل أمة وجهةً ومنسكاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي كان يقلب وجهه في السماء رغبةً في قبلة أبيه إبراهيم، فآتاه الله سؤله وطيّب خاطره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين لم يكن حدث تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام مجرد واقعة تاريخية عابرة في السيرة النبوية، بل كان بمنزلة "ميلاد ثانٍ" للأمة بعد الهجرة وإعلان سماوي عن اكتمال شخصية الأمة التي لا تقبل التبعية فأمة الإسلام ليست تابعة لأحد بل هي التي يجب أن تكون نموذجا يحتذى يسير على هديه الأمم لذلك لو تأملنا هذه الحادثة العظيمة لوجدنا أن لها عدة جوانب تكشف عن عظمتها .


أولاً: الجانب التشريعي.. فقه الاستقلال تمثل قيمة التحول تشريعياً في ترسيخ مفهوم "التميز".

 فبعد أن عاش المسلمون فترة يتجهون فيها نحو قبلة الأمم السابقة، جاء الأمر الإلهي ليقطع حبال التبعية هذا التحول شرع قاعدة "النسخ" في القرآن، ليثبت أن الأحكام تدور مع المصلحة الربانية ، وأن العبرة ليست في الجهة بذاتها ، بل في إخلاص الوجهة لله وحده

ثانياً: الجانب النفسي.. جبر الخاطر وإثبات المكانة وهنا نلمس بٌعداً نفسياً عميقاً حيث استجاب الله تعالى لنبيه ﷺ بصورة تمثل قمة الحب الإلهي لنبيه العظيم فالله تعالى يقول فلنولينك قبلة ترضاها هذا الجبر لخاطر النبي ﷺ كان رسالة طمأنة للمؤمنين بأنهم في كنف رب يعلم خفايا القلوب كما عزز الشعور بالعزة والارتباط بجذورهم الإبراهيمية الأصيلة عبر الكعبة المشرفة 

ثالثاً: صراع الأفكار.. التمحيص والفرز كان الحدث بمثابة "مختبر إيماني" كشف خبايا النفوس فالله تعالى يقول وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله فالمؤمنون جسدوا أروع صور الامتثال، كما في قصة أهل "قباء" الذين استداروا في صلاتهم فور سماع الخبر، فكان إيمانهم مبنياً على (اليقين المطلق)أما المنافقون واليهود فقد حاولوا زعزعة الصفوف بإثارة التساؤلات العقلية العقيمة ، فوصفهم القرآن بالسفهاء لأنهم غفلوا عن أن الجهات كلها لله ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله وأن العبرة بالاستجابة لا بالمكان 

رابعاً: القيمة الفقهية والوسطية فقط ارتبط هذا التحول بآية الوسطية وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، وربط كذلك بين قدسية المسجد الأقصى (تاريخ الأنبياء) وقدسية المسجد الحرام (قبلة التوحيد الأولى وخلاصة القول إن تحويل القبلة لم يكن مجرد استدارة بالأبدان، بل كان استدارة بالقلوب نحو مصدر العزة والاستقلال.

 إنها رسالة لكل مسلم بأن هذه الأمة لا تتبع أحداً إلا وحي ربها، وأنها أمة لها (قبلة) محددة في صلاتها، ولها (قبلة) واضحة في أخلاقها، و(قبلة) ثابتة في سيادتها ومنهجها.

إن الدرس الأعظم من هذا الحدث هو (الثبات)؛ ففي الوقت الذي ضج فيه المشككون والشامتون، وقف الصحابة كالجبال الراسيات خلف نبيهم، لم يهزهم قيل ولا قال.

 فليكن لنا من هذه الذكرى نصيبٌ في تجديد وجهتنا إلى الله، والتمسك بهويتنا الإسلامية في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن، وليكن شعارنا دوماً: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)."
أنت الان في اول موضوع

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. ماشاء الله تبارك الله يا دكتور اسامة .. حادثة القبلة اعجاز الهى نتعلم منه العبر
    جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب د اسامة

    ردحذف

إرسال تعليق

التنقل السريع