القائمة الرئيسية

الصفحات

الغربي عمران 41 الفصل الحادي والأربعون رواية بقلم فرحات جنيدي


كان السطح فوق بيت المعلم أبو المكارم يبدو تلك الليلة كجزيرةٍ من الضوء وسط بحرٍ من الظلام.
الفوانيس المعلقة على الحبال تتمايل مع نسيم الليل الخفيف، فتبعثر ضوءًا أصفر دافئًا فوق الوجوه.
النساء متحلقات حول العروس، الأساور ترنّ في المعاصم، والحنّة تفوح برائحتها الثقيلة، والزغاريد تتطاير في الهواء كطيورٍ صغيرة تبحث عن سماءٍ أوسع.


في ناحيةٍ أخرى من السطح جلس الرجال.
الدخان يتصاعد من الجوزة، والضحكات تتكسر بين الجمل القصيرة، بينما يد الطبال تدق على الجلد المشدود بإيقاعٍ قديم… إيقاع تعرفه الحارة منذ زمنٍ بعيد.
كانت ليلة الحنّة.
ليلةٌ يفترض أن تكون خالصة للفرح.
لكن الفرح في الحارات القديمة…
نادراً ما يمرّ بلا امتحان.
لكن صوت لمونة كسر صوت الزغاريد كحجرٍ أُلقي في ماءٍ ساكن.
عندما أعلن ان المخزن والدكاكين احترقوا!"
توقفت يد الطبال في الهواء.
وسقطت الزغرودة من حلق امرأة قبل أن تكتمل.
وفي لحظةٍ واحدة…
ارتسم الذهول على الوجوه.
عزيزة الأشمونية وضعت يدها على صدرها.
فاطمة عبد التواب اتسعت عيناها كأنها لم تسمع الكلام جيدًا.
أم العروس نظرت إلى ابنتها بخوفٍ لم تستطع أن تخفيه.
أما العروس…
فبقيت واقفة.
كتمثالٍ من شمع.
وفي قلب هذا الصمت الثقيل…
نهض المعلم أبو المكارم.
اقترب من الصبي ليمونه بخطوات هادئة.
ثم…
طَقّ!
ضربة خفيفة على فم لمونة.
ضربة تأديب… لا غضب.
ثم أمسكه من أذنه وضغط عليها قليلًا وهو يضحك.
يا ولد يا عبيط… يا ابن العبيطة! مين قال لك إن دكاكيني بتولع؟!
التفت بيده نحو الفوانيس المعلقة.
دي نار… بننوّر الشوارع علشان الناس تعرف طريق الفرح!
ثم شدّ أذن الصبي قليلًا:
اقفل خشمك وما تفتحهوش تاني… سامع؟!
ظل الذهول على الوجوه.
لكن أبو المكارم لم يترك للصمت أن يتمدد.
صفق بيديه فجأة.
زغرتي يا وليه!
ثم صاح:
دق الطبل يا رجالة!
والتفت نحو النساء:
الليلة حنّة بنتي… ومافيش حاجة تعكنن علينا!
ثم قال وهو يضحك:
ولّعوا يولّع البصل على اللي ياكل البصل!
ضحك بعض الرجال.
لكن المعلم تمام لم يضحك.
اقترب قليلًا وهمس:
خبّريه يا معلم بقى… مالنا و حالنا بيولع وإحنا واقفين في الطبل والزمر؟
نظر إليه أبو المكارم بهدوء قاتل.
ثم قال ببطء:
المال مالي… والليلة فرح بنتي.
ثم أضاف بنبرةٍ تحمل غضبًا مكبوتًا:
ومافيش حاجة في الدنيا تعكنن عليّا الليلة… حتى لو السوق كله ولع.
ثم أشار إلى لمونة:
تعالى يا واد… خد صينية الشربات وتعالى ورايا نوزع على الرجالة.
ومع مرور الوقت…
انفضّ السطح تدريجيًا.
هدأت الزغاريد.
وخفت صوت الطبل.
ولم يبق إلا الأقارب.
حينها نهض أبو المكارم وأشار إلى المعلم تمام.
تعالى.
نزلا السلم.
ثم خرجا إلى الشارع.
كلما اقتربا من السوق…
كانت رائحة الحريق تزداد.
حتى وصلا.
وهنا…
توقفا.
المشهد كان كافيًا ليصمت أي رجل.
المخزن لم يعد مخزنًا.
والدكاكين صارت هياكل سوداء.
رجال السوق يجرون بالمياه.
ورجال المطافئ يطفئون ما تبقى من جمر.
والمأمور يقف بجوار الضابط.
تقدم أبو المكارم وصافحهما بهدوء.
متشكرين على تعبكم يا معالي المأمور.
ثم اقترب من دكانه الكبير.
وكان المأمور بجواره.
وأشار إلى الداخل.
الخزنة كانت مفتوحة.
ابتسم أبو المكارم ابتسامة غريبة.
زي ما حضرة المأمور شايف… دكان مليان بصل واتحرق.
ثم هز كتفيه.
وما أظنش إن دي حاجة تزعل معلم كبير زيي.
ثم أشار إلى الخزنة.
لكن الموضوع مش بصل… ولا دكاكين.
سكت لحظة.
ثم قال:
دي سرقة.
سأله المأمور:
تهم مين يا معلم؟
رفع أبو المكارم رأسه.
وقال بصوتٍ واضح:
أنا ماليش أعداء.
ثم أضاف:
لكن الخزنة دي كان فيها فلوس ودهب… وسبيكتين كبار.
ثم قال بهدوء:
والدهب بيروح وييجي.
ثم اقترب قليلًا.
كن كان فيها كمبيالات على تجار كبار… والفلوس دي مش فلوسي لوحدي.
ثم قال الاسم…
بوضوح.
عبد الله طايع.
سقط الاسم على السوق كالصاعقة.
لكن في تلك اللحظة…
كان هناك شاب يقف على بعد خطوات.
ملابسه ملوثة بالسواد.
ووجهه ملطخ بآثار الدخان.
كان يحمل دلواً فارغًا بيدٍ مرتجفة.
إنه طايع… ابن عبد الله طايع.
كان يحاول منذ دقائق أن ينقذ ما يمكن إنقاذه.
لكن حين سمع اسم أبيه…
تجمد مكانه.
لم يكن يحب أباه.
بل كان بينهما خصام طويل.
لكن…
أن يُقال اسمه هكذا…
أمام السوق…
أمام الشرطة…
كان شيئًا أثقل من الاحتمال.
شعر بشيءٍ يشبه العار يهبط على كتفيه.
وانخفضت عيناه إلى الأرض.
في تلك اللحظة…
شعر به أبو المكارم.
التفت نحوه.
تقدم ببطء.
ثم وضع يده على كتفه… وربّت على ظهره برفق.
لم يقل شيئًا.
فقط…
ربت عليه.
ربتة قصيرة.
ثم تركه.
وعاد إلى المأمور والضابط كأن شيئًا لم يحدث.
أما طايع…
فتحرك بضع خطوات.
ثم جلس بعيدًا عن الناس.
على حجرٍ مكسور عند طرف السوق.
ظل يراقب المشهد من بعيد.
وفي عينيه…
شيء يشبه خيبة الأمل.
بعد قليل…
ابتعد أبو المكارم مع المعلم تمام قليلًا.
قال تمام:
مش إحنا اللي الحكومة تجيب لنا حقنا.
ضحك أبو المكارم.
عبد الله طايع خد مني قلم.
ثم رفع إصبعه.
وقلم واعر.
وأضاف:
خلّاه زي الفرخة المدوشة.
قال تمام:
طب ليه اتهمته؟ وإحنا نقدر نرد القلم قلمين وتلاتة وعشرة.
ضحك أبو المكارم مرة أخرى.
أنا حبيت ألهيه مع المأمور يومين تلاتة.
ثم نظر إلى السوق المحترق.
عقبال ما نفضاله.
هز تمام رأسه.
لكن أبو المكارم قال فجأة:
والله يا معلم تمام… أنا متأكد إنك ما فهمتش حاجة.
ضحك.
ولو فهمت… وقلت لي أنا قصدي إيه…
ثم أشار بيده إلى السوق كله.
أكتب لك القهوة تمليك.
ظل تمام ينظر إليه…
بعينين مفتوحتين.
كأن رجلًا أطعمه بصلة حارة في عزّ الصيف.
أما أبو المكارم…
فكان ينظر إلى السوق المحترق.
لكن عينيه…
لم تكونا تنظران إلى الحريق.
بل إلى شيءٍ أبعد.
شيءٍ لم يفهمه أحد بعد.
حتى المعلم تمام…
ولا حتى الشاب الجالس بعيدًا…
طايع.
#الغربي_عمران
#رواية بقلم #فرحات_جنيدي
الي اللقاء في الفصل الثاني والأربعون

تعليقات

التنقل السريع