القائمة الرئيسية

الصفحات

حين ينهار الصمت قراءة نفسية في دوافع الانتحار بقلم الدكتورة/ زهرة الشريف

الدكتورة/ زهرة الشريف

اخصائية نفسية وإرشاد أسري


الانتحار ليس قرارًا مفاجئًا كما يبدو من الخارج، بل هو غالبًا نتيجة تراكمات نفسية معقدة، تتسلل بهدوء إلى أعماق الإنسان حتى تخلق داخله شعورًا خانقًا بالعجز واليأس. من منظور نفسي، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في ضعف إيمان أو نقص إرادة، بل هي انعكاس لحالة من الألم الداخلي الذي يتجاوز قدرة الفرد على التحمل أو التعبير.


في كثير من الحالات، يعيش الشخص حالة من “الانفصال الشعوري”، حيث يفقد الإحساس بالمعنى، ويشعر بأن وجوده بلا قيمة أو تأثير. هذا الفراغ النفسي لا يأتي فجأة، بل يتشكل عبر تجارب متراكمة من الفقد، أو الرفض، أو الفشل، أو حتى الضغوط اليومية التي تبدو صغيرة لكنها تتجمع لتكوّن عبئًا هائلًا. ومع مرور الوقت، تتحول الأفكار السلبية إلى قناعات راسخة، مثل: “أنا غير مهم”، أو “لن يتغير شيء”، وهي قناعات تدفع العقل إلى البحث عن مخرج، حتى لو كان مؤلمًا ونهائيًا.


ومن الزاوية النفسية، فإن الانتحار يرتبط غالبًا بما يُعرف بـ”التضييق الإدراكي”، حيث يفقد الإنسان قدرته على رؤية البدائل أو الحلول، ويعتقد أن الألم دائم، وأن المستقبل مغلق. في هذه الحالة، لا يكون الموت رغبة بحد ذاته، بل محاولة للهروب من معاناة لا تُحتمل. وهنا تكمن خطورة الأمر، إذ يتحول التفكير إلى دائرة مغلقة لا تسمح بدخول أي بصيص أمل.


كما تلعب العزلة دورًا محوريًا في تفاقم هذه الحالة. فكلما انسحب الفرد من محيطه، زادت قوة الأفكار السلبية، وتضاءلت فرص التدخل أو الدعم. الصمت هنا ليس راحة، بل بيئة خصبة لنمو الألم. لذلك، فإن أحد أهم المؤشرات النفسية هو الانسحاب التدريجي، وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تمنح الشخص معنى أو سعادة.


لكن، ورغم هذا الظلام، فإن الجانب النفسي يؤكد أن هذه الحالة قابلة للفهم والعلاج. فالإنسان، مهما بلغ من اليأس، يظل يحمل داخله جزءًا يبحث عن النجاة. التدخل المبكر، والاستماع دون حكم، وتوفير مساحة آمنة للتعبير، يمكن أن يفتح نافذة صغيرة نحو الحياة من جديد.


الانتحار ليس نهاية قصة، بل هو لحظة اختناق داخل قصة لم تجد من يقرأها بصدق. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا لا تكمن فقط في إنقاذ الأرواح، بل في الإصغاء العميق لما لا يُقال، وفهم الألم قبل أن يتحول إلى قرار لا رجعة فيه.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع