
إنَّ القصص القادرة على انتشال الألم من حدود الإحساس العابر إلى فضاء التأمل العميق، هي وحدها التي تظل حيّة في ذاكرة القارئ ووجدانه. وفي المجموعة القصصية "بين ثنايا المحظورات" للكاتبة المبدعة/ نانسي سامي، لا نقف أمام نصوص تُروى لمجرد الحكي، بل أمام تجربة أدبية تنفذ بجرأة ووعي إلى أكثر الزوايا خفاءً في النفس البشرية، وكأنها تمارس تشريحًا إنسانيًا دقيقًا لمشاعر الإنسان وهواجسه وصراعاته الداخلية.
منذ الوهلة الأولى التي تتفحص فيها صفحات هذه المجموعة القصصية، تجذبك تلك المسحة من الألم العميق، لكنه ألمٌ من نوع خاص؛ فهو ليس وجعاً يدعو لليأس أو القبوع في غياهب الحزن، بل هو وجعٌ يستحث العقل على التأمل، ويفتح أبواباً موصدة أمام النفس لتُبصر مجاهلها.
سيكولوجية الشخوص وحرفية السرد:
تجلت في أبطال هذه القصص مسحة نفسية واضحة، فبدوا وكأنهم أوراقٌ حية تبوح بأسرار النفس وأغوارها. اعتمدت الكاتبة على عنصر الجذب والمفاجأة التي تصل أحياناً إلى حد "الصدمة"، مما يكشف عن موهبة فريدة في صياغة الأحداث واتساقها بحرفية مهنية عالية. تترواح نصوص المجموعة بين القصص القصيرة التي تحمل كل منها حكمتها المستقلة، وبين القصص القصيرة جداً (الومضة) التي لا تتعدى بضع جمل، لكنها تحمل في خلفيتها رواية كاملة وشخوصاً يرسمها الخيال ببراعة.
تفكيك الوجع في قصة "ميراكل"
استوقفتني في هذه المجموعة قصة "ميراكل"، والتي أعادت لذهني رائعة فيكتور هيجو "البؤساء". ورغم اختلاف السياق والشخوص، إلا أن "ميراكل" تشترك معها في ذلك العمق الإنساني الذي يولد من رحم المأساة. إن هذه القصة تحديداً تمثل مشروعاً لرواية طويلة؛ لما تحمله من تجديد في الفكرة، رغم قسوة الظروف التي عاشتها البطلة وتضحياتها المريرة لحماية ابنتها التي ضاعت في النهاية.
الحزن هنا ليس غاية، بل هو صرخة في وجه المجتمع وسلط الضوء على المهمشين الذين يعانون في صمت، وكأن الكاتبة توجّه "صفعة" وعي قوية تجعلنا نعيد النظر في قراراتنا وفي مَن هم حولنا.
الإسقاط التربوي في "ذات الأربع سنوات"
أما قصة "ذات الأربع سنوات"، فقد لامست وتراً حساساً في نقد الممارسات التربوية. تصف القصة بقسوة "حميدة" مدى الضغوط التي يمارسها الآباء على أبنائهم، نتيجة لمشاكل نفسية داخلية أو موروثات تربوية قاسية.
النهاية الصادمة بفقدان الأبناء تحمل رمزية عميقة؛ فالفقد هنا ليس بالضرورة موتاً جسدياً، بل هو "فقد معنوي" وضياع لدفء الأسرة، مما يحول الأبناء إلى تائهين في متاهات الأوجاع النفسية نتيجة للقسوة العقيمة.
دعوة للحياة
تجمع مجموعة "بين ثنايا المحظورات" بين روعة السرد وعمق الإنسانية، ولا تخلو من مسحة رومانسية لطيفة تحث على الرغبة في حياة أفضل. إنها قصص تقدم نصائح غير مباشرة لصحة نفسية أرقى، وتثير الأوجاع فقط لنعلم الدرس، فنحيا بشكل أقل ألماً وأكثر خبرة.
كل التوفيق للكاتبة نانسي سامي على هذا الإبداع، وفي انتظار المزيد من نبض قلمها الذي يجمع بين الأدب والتحليل النفسي الرصين.
تعليقات
إرسال تعليق