
في الحكايات الشعبية، لا يموت الأبطال دائمًا لأنهم أشرار، ولا يعيشون دائمًا لأنهم أفضل من غيرهم. أحيانًا يكون الموت جزءًا من فلسفة الحكاية؛ وسيلة ليقول الحكّاء، بطريقة غير مباشرة، من يستحق المكافأة ومن يستحق العقاب
لكن ماذا لو أخطأ الحكّاء في حكمه؟
ماذا لو كان قاسم، الذي اعتدنا أن نراه الرجل الجشع الذي انتهى قتيلًا، شخصية أكثر تعقيدًا من الصورة التي رسمتها الحكاية؟
ماذا لو كان ذنبه الحقيقي ليس الجشع، بل رغبته في الانتقال من الفقر إلى حياة أفضل، واختياره طريقًا مختلفًا عن علي بابا؟
وهنا تبدأ قصة أخرى لقاسم... قصة لم يكتبها الحكّاء
قاسم وعلي بابا... البداية واحدة
علي بابا حطّابًا، يعمل ويكسب رزقه بما يكفي لحياته، إلى أن يكتشف بالصدفة مغارة اللصوص.
أما قاسم، فاختار التجارة. لم ينتظر كنزًا أو مغارة، بل عمل وخاطر وتاجر حتى أصبح ثريًا.
وبلغة عصرنا، يمكن القول إن قاسم كان رجل أعمال ناجحًا.
وهنا تبدأ المفارقة.
لماذا نعتبر قاسم جشعًا وعلي بابا طيبًا؟
لأن الحكّاء أخبرنا بذلك. الحكاية الشعبية لا تقدم الوقائع فقط، بل تقدم لنا تفسيرها أيضًا.
قاسم ثري؟ إذن هو جشع.
علي بابا فقير؟ إذن هو طيب.
قاسم يريد المزيد؟ إذن هو طمّاع.
علي بابا يجد الكنز مصادفة؟ إذن هذه مكافأة.
لكن إذا أعدنا قراءة القصة بعيدًا عن أحكام الحكّاء، فسنجد أن قاسم لم يصبح ثريًا لأنه سرق أو احتال، بل لأنه نجح في التجارة.
فلماذا أصبح النجاح نفسه دليلًا على فساد الشخصية؟
هل كان قاسم جشعًا حقًا، أم أن الحكاية الشعبية كانت تحمل تصورًا قديمًا يرى أن الثروة الكبيرة لا يمكن أن تكون بريئة؟
هناك فرق بين شخص يجد ثروة أمامه، وشخص يبني ثروته عبر سنوات من العمل.
علي بابا لم يبحث عن الكنز؛ بل الكنز هو الذي وجده.
أما قاسم، فقد بنى حياته الاقتصادية بنفسه. ربما خسر في البداية، وتعلم من أخطائه، وعقد صفقات ناجحة وأخرى فاشلة، حتى تراكم المال وأصبح ثريًا.
هذه ليست قصة رجل كسول، بل قصة رجل اجتهد ونجح.
ومع ذلك، لم تمنحه الحكاية فرصة لنتعرف إلى رحلته. كل ما نعرفه عنه أنه "الغني الجشع"
ثم جاءت المغارة
هنا وقع قاسم في أكبر اختبار.. عرف أن أخاه يملك سرًا؛ مغارة تحتوي على ثروة هائلة. رجل أمضى سنوات في التجارة حتى أصبح ثريًا، فاكتشف فجأة وجود كنز يفوق كل ما جمعه طوال حياته.. فذهب إلى المغارة.
نعم، يمكن القول إن قاسم أخطأ.
لكن السؤال الأهم: هل كان يستحق الموت؟
ربما كان قاسم طماعًا وفضوليًا في الوقت نفسه، وهذا ما يجعله شخصية إنسانية. فهو ليس ملاكًا ولا شيطانًا؛ بل رجل رأى فرصة هائلة فغلبه الطمع.
لم يكن لصًا محترفًا، ولم نعرف أنه قتل أحدًا أو استغل الفقراء. كل ما فعله أنه أراد أن يأخذ من الكنز.
وهنا يبدو العقاب قاسيًا مقارنة بالخطأ.
فقاسم مات لأنه دخل المغارة، بينما علي بابا، الذي اكتشفها وأخذ منها، عاد حيًا وتحولت المغارة إلى مصدر ثروة له.
فأين العدالة؟
المفارقة الأخلاقية
إذا كان الكنز ملكًا للحرامية، فمن هو مالكه الشرعي؟
قاسم أخذ من أموال اللصوص، وعلي بابا أخذ منها أيضًا. لكن أحدهما مات والآخر عاش سعيدًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل كان ذنب قاسم أنه أراد أن يصبح أغنى؟
الحكاية تقول لنا ضمنيًا إن المشكلة ليست في المال وحده، بل في الطمع وطريقة الحصول عليه. لكن حتى هذه الإجابة تظل ناقصة؛ لأن علي بابا نفسه أخذ من الكنز.
هل الحكّاء كان يحتاج إلى شرير
ربما كان قاسم ضحية ضرورات الحكاية.. فالحكاية الشعبية تحتاج إلى بطل، وتحتاج غالبًا إلى نقيض له.
وهكذا أصبح لدينا:علي بابا الفقير الطيب.. وقاسم الغني الجشع. هذه الثنائية تجعل الحكاية سهلة وواضحة، لكنها لا تشبه الحياة الحقيقية.
فليس كل فقير طيبًا، وليس كل غني جشعًا، والنجاح الاقتصادي وحده لا يكشف أخلاق صاحبه.ولهذا ربما كان قاسم أكثر شخصيات الحكاية تعرضًا للظلم.
ماذا لو خرج قاسم من المغارة؟
ربما أصبح شريكًا لعلي بابا، أو استثمر جزءًا من المال في التجارة، وربما اكتشف أن الثروة التي جمعها طوال حياته أكثر قيمة من الذهب الذي وجده فجأة.
وربما كان سيتعلم درسًا في القناعة. والأهم أنه كان سيمنحنا شخصية أكثر نضجًا من مجرد "الرجل الجشع الذي مات"
لكن الحكّاء لم يمنحه هذه الفرصة.. لقد قتله قبل أن تتطور شخصيته.
قاسم لم يكن فاشلًا...
أكثر ما يلفت النظر أن الحكاية لم تتعامل مع نجاح قاسم باعتباره نجاحًا مشروعًا.علي بابا اختار العمل حطّابًا، وقاسم اختار التجارة. فإذا كان الطموح ليس جريمة، والتجارة ليست جريمة، والثروة لم تُنسب إلى السرقة أو الاحتيال، فلماذا أصبح المال دليل إدانة قاسم؟
ربما لأن الحكاية لم تكن تتحدث عن الاقتصاد، بل عن الأخلاق كما كان يتصورها المجتمع.
كان من السهل أن تقول: "لا تطمع" .. لكنها لم تقل: "اعمل"
بينما جعلت الرجل الذي عثر على ثروة بالمصادفة بطلًا.وهذه مفارقة تستحق التأمل.
إذن... هل ظلم الحكّاء قاسم؟
إذا قرأنا الحكاية بمعايير الشخصية الإنسانية المعقدة، يمكن القول إن قاسم تعرض لظلم أدبي وأخلاقي.
اختصره الحكّاء في عيب واحد: الطمع، ثم بنى عليه حكمًا نهائيًا: الموت.
لم نعرف لماذا أصبح تاجرًا، ولا كيف جمع ثروته، ولا كم مرة خسر ونجح، ولا ما الذي كان يحلم بتحقيقه.
عرفنا فقط أنه كان غنيًا، ثم أصبح جشعًا، ثم مات.وهكذا تحولت حياة كاملة إلى ثلاث جمل.
قاسم كان الشخصية الأكثر واقعية
إذا تأملنا شخصية قاسم، فسنجد أنه ربما يشبه البشر أكثر من علي بابا.
علي بابا بطل الحكاية المثالي: شخص بسيط، محظوظ، يجد نفسه فجأة أمام ثروة هائلة.
أما قاسم فيشبه الإنسان الحقيقي:
يريد أن ينجح، ويريد أن يصبح غنيًا، ويطمع أحيانًا، ويخطئ، ويخاطر، ويبحث عن فرصة أفضل.
وربما لهذا السبب يبدو قريبًا منا أكثر مما نتصور.
فالرغبة في المزيد ليست جريمة في حد ذاتها؛ فهي نفسها التي تدفع الإنسان إلى التعلّم والعمل والبناء والمغامرة.
المشكلة ليست في أن تريد المزيد، بل في ما الذي تفعله عندما تريد المزيد.وهنا تحديدًا أخطأ قاسم.
النهاية التي لم يكتبها الحكّاء
السؤال الأكثر واقعية لم يكن:
لماذا قتل الحكّاء قاسم؟
بل:
لماذا احتاج الحكّاء إلى قتله؟
ربما لأن الحكاية احتاجت لأن يبقى علي بابا بطلًا بلا منافس.فكان لا بد أن يموت قاسم.
لكن لو أعدنا قراءة الحكاية بعين معاصرة، فقد نراه بصورة مختلفة؛ قاسم لم يكن مجرد رجل جشع، بل إنسانًا طموحًا صنع نجاحه بنفسه، ثم أخطأ عندما ظن أن ما جمعه طوال حياته لم يكن كافيًا. لقد دفع ثمن خطئه ثمنًا فادحًا، وربما كان يستحق العقاب.
لكن هل كان يستحق الموت؟
هنا أترك السؤال مفتوحًا.
فالحكايات الشعبية لا تنتهي عندما ننتهي من قراءتها، بل تبدأ عندما نجرؤ على أن نسأل:
ماذا لو كان الحكّاء نفسه قد أخطأ؟
تعليقات
إرسال تعليق