
لم تكن الليلة في السوق سوى جرحٍ مفتوحٍ يقطر دخانًا. الريح تنوح في الأزقة، والناس في بيوتهم يتهامسون عن الحريق الذي التهم بيت عزيزة الأشْموني، كأن النار كانت تعرف طريقها إليها بالاسم. خرجت عزيزة من بين الرماد، ثوبها ممزّق، شعرها يتدلّى على كتفيها كسواد الليل، وعيناها رغم التعب فيهما ذكاءٌ شيطانيٌّ يعرف كيف ينجو دائمًا.
وقفت عند الباب المهدّم، تتفحّص الظلام، كأنها تعرف أن في داخله من ينتظرها.
ومن بين الدخان ظهر بدران الجهيني، بثوبه المبتلّ بالعرق، وسكينه يلمع كأنه لسان الشيطان. لم يتكلّم، لم يبتسم، فقط اقترب منها بخطواتٍ تفيض ندمًا مكتومًا.
كان مكلَّفًا بأن ينهي حكايتها إلى الأبد، لكن القلب لا ينسى دينًا... حتى لو دفنه صاحبه تحت ألف ذنب. تذكّر تلك الليلة القديمة، حين خبّأته عزيزة في بيتها من رجال السوق بعدما سرق تاجر الزيت. قالت له يومها: لو جِيت للشرّ مرّة تانية، لا تجيبه على بابي يا بدران.
ومع ذلك، حين ضاقت به الدنيا، كانت هي من دلّته على طريقٍ آخر غير الدم. قالت له ضاحكةً: كل الدهب في رقاب الناس، لكن اللي ما يلمعش... هو اللي يعيش.
رفع السكين، لكنه لم يقدر. اليد التي اعتادت الطعن صارت ثقيلة، كأن الدم القديم وقف في عروقه وقال له: اختر يا بدران... بين الدين والخيانة.
قالت له بصوتٍ واهنٍ لكنه ثابت: دي أول مرة تبصّ لي كده... فيه إيه يا بدران؟ صمت، لم يجد جوابًا. ابتسمت بخبثٍ ناعم، وقالت: الشر في عينيك، وإحنا متّفقين إن الشر بعيد عن بابي... ولا انت ناوي تخون العهد؟ لم ينطق.
فأضافت وهي تميل نحوه: المفتاح وقع.. خرج بدران عن صمته عندما لمع المفتاح الذهبي في عينيه وقال: مفتاح إيه؟ ابتسمت عزيزة بخبث وقالت: مفتاح محلّ الخواجة بشوي، بتاع الدهب اللي في نص السوق.
الليلة سبت، واللي صابح أحد... والأحد محدّش فاضي لحد. محدّش هياخد باله، غير لما ينادي الفجر.
روح خد نصيبك، ونصيبي سيبوا في المكان اللي اتفقت فيه علي دمي واهرب بعيد. وبكرة لما يسأل اللي أجّرك عني، أنا هردّ بدل منك... أخذ بدران المفتاح وقال ببرود: النهارده إحنا خلصين، والدَّين اللي في رقبتي هدفعه.
ضحكت عزيزة وقالت: الدَّين اللي في رقبتك مهر غالي، وثمن السكين اللي في جيبك... هو المفتاح اللي في إيدك. ولسّه عندك واحدة تانية.
قال بدران بمكر: طب نخلّص الدين. ابتسمت عزيزة وقالت: معاك الثمن... فردّ هو بهدوءٍ غامض: أقولك على اللي دفع ثمن دمك؟ ضحكت بصوتٍ ناعم أربكه وأشعل غريزته، ثم همست: اللي دفع الثمن أعرفه أكتر من نفسي. سلام يا بدران... ومترجعش إمبابة تاني، لا في خير ولا في شر.
دهب الخواجة بشوي هيعملك اسم جديد وسمعة جديدة في بلد جديدة. أما أنا... هعرف أوصلك في اليوم اللي أحتاج فيه إنك تدفع الدين اللي عليك. أما الجبان اللي عايز موتي... فحسابه اتقفل خلاص، وهيوصلك خبره قريب. تراجع بدران خطوة، ونار الغدر خلفه تهدر كأنها تضحك.
أغلق يده على المفتاح، وخرج كالأشباح إلى ظلام السوق. أما عزيزة، فجلست على أنقاض بيتها، تنظر إلى الرماد وتهمس: اللي يولّع بيت غيره، لازم في يوم يشم ريحة دخانه... واللي بيدوّر على نهاية لعزيزة، يعيش عمره يتمنّى الموت وما يشوفهوش.
تمدّدت على الرماد، واحتضنت الدخان، . لكن النوم لم يعرف طريقها حتى غلب النهار الليل، وجاءت الشمس بحرارتها تلسع المدينة، كأنها عقابٌ نازل من السماء على السوق ومن فيه.
مع أول شعاعٍ من النهار، كانت الرطوبة تمسك بالهواء كشبكةٍ لزجة. نسمةٌ خفيفة مسحت وجه المعلم تمام، فارتخى على مقعده الخشبي وسط المقهى. لم تدم الراحة طويلاً، إذ خرج عبد القهوجي من الداخل ورشّ الماء على الأرض، فتطاير الغبار والرائحة المختلطة بالقاذورات. صاح بصوته المعتاد: كله تمام يا معلم تمام؟ القهوة جاهزة.
مع أول شعاعٍ من النهار، كانت الرطوبة تمسك بالهواء كشبكةٍ لزجة. نسمةٌ خفيفة مسحت وجه المعلم تمام، فارتخى على مقعده الخشبي وسط المقهى. لم تدم الراحة طويلاً، إذ خرج عبد القهوجي من الداخل ورشّ الماء على الأرض، فتطاير الغبار والرائحة المختلطة بالقاذورات. صاح بصوته المعتاد: كله تمام يا معلم تمام؟ القهوة جاهزة.
نهض تمام بتكاسل، وتوجّه إلى مقعدٍ آخر يطلّ على الشارع. جلس يراقب السوق؛ النساء يدخلن ويخرجن، يحملن أكياس الخضار واللحم، كل واحدة ترفع طرف ثوبها حتى لا يبتل بالطين.
ابتسم تمام بخبث، عينيه تلمعان كلما لمحت ساقًا بيضاء تمرّ تحت الشمس. لكن المتعة لم تكتمل.
جاء صوت عبد القهوجي من الداخل: خالك أبو المكارم جاي يا معلم! انتفض تمام كالعسكري أمام ضابطه، وقف يعدّل جلابيته ويمسح عرقه.
وما هي إلا لحظات حتى ظهر أبو المكارم في رفقة مجموعة من الرجال، يتوسطهم أبو زيد عبد المقصود، مدير التموين. جلسوا وسط ترحيبٍ وضحك، لكن أبو زيد بدا مشدود الوجه.
وفي رأسه كانت تدور خواطرٌ داكنة كالدخان: “الولد ده... الغربي عمران. لمّا وقف في الحفل قدام المحافظ، خلى الدنيا تصقف له وأنا اللي كنت صاحب البلاغ!
أنا اللي كشفت الجواسيس، وأنا اللي فتحت باب التكريم، لكن التصفيق راح له هو! قالوا شجاع، وقالوا وطني... وأنا؟ نسوني. كمان، الكشك اللي خده ورا مبنى الصحة ضيّع عليّ صفقة العمر.
كان المفروض القطعة دي تروح لعبدالله طايع اللي أنا مكلّف بيها، ومنها للجيب اللي محتاج يدفّى. بس الغربي... الغربي دخل السوق كأنه نازل من السما، ياخد رزقي ورزق غيري، ويحط رجله على كتف اللي قبله. بس مش نهاية الحكاية، لسه اللعبة طويلة، وأنا ما بخسرش.” اقترب أبو زيد من أبي المكارم وهمس غاضبًا: الكشك اللي خده الغربي هيعطّل مشروع مهم.
قطعة الأرض دي ورا مبنى الصحة، هنعمل عليها جمعية تعاونية. الكشك لازم يتشال. ضحك أبو المكارم بهدوء وربّت على كتفه: ما تسبقش الأحداث يا باشا.
لما الكشك يوصل، نبقى نتصرف. غادر أبو زيد، وبقي أبو المكارم وتمام يحتفلان بالبطل الذي رفع اسم أسيوط في سماء الجيزة. قال تمام مبتسمًا: والله يا أبو المكارم، أول مرة أتمنى يكون لي ولد... والولد ده يكون زي الغربي عمران. ضحك أبو المكارم: هو فعلاً زي ابني، أنا اللي ربيته.
ردّ تمام ماكرًا: – طيب جوزه واحدة من بناتك... ويبقى ابنك رسمي! قهقه الاثنان، لكن ضحكتهما انقطعت مع دخول الغربي عمران وسط تهليل السوق.
الناس تصفّق، الأطفال يركضون، والرجال يحتضنونه. جلس بينهم، وقال وهو يبتسم: المامور والضابط ما سابونيش أمشي قبل ما يقفلوا محضر حريق بيت عزيزة الأشْموني.
الغريب إنها بنفسها راحت المركز، وشهدت إن ماليش علاقة، وباركت لي. بس أول مرة أشوفها ست بجد... من غير جلابية الرجالة، بعينين مكحلتين وصوت ناعم كأنه ست.
ضحك أبو المكارم وقال: ما هي ست يا ابني! لكن تمام مال على أذنه وقال: الحق نفسك، جوزّه بسرعة قبل ما عزيزة تخطفه منك! ضحك الجميع، إلا أن الغربي قطع المزاح قائلًا بجدية: في أمر لازم تعرفه يا عمّي... خليل الحاوي اتحبس.
واحد فلاح قال إنه سرق حمار في السوق. ضرب تمام كفًا بكف: – الولد عيل بايظ و نحس! لكن أبو المكارم ابتسم: لا يا تمام... خليل مش بايظ ولا نحس، هو ضايع. لما الدنيا تظبط، هيتغيّر.
أنا ناوي أساعده، أديه له دكاني القديم اللي بينام فيه. قال الغربي بصوتٍ خافت: القدر سبقك يا عمّي... خليل ما رجعش. الفلاح صفّى الموضوع، لكن خليل اتسلّم للتجنيد.
سكت أبو المكارم لحظة، ثم قال بنبرةٍ حازمة: سيبك من خليل وقُلّي... ماعرفتش مين اللي حرق بيت عزيزة؟ ولا دي لعبة عملتها هي عشان تجرّنا وراها تاني؟
ردّ الغربي بلهجةٍ واثقة: والله ما أعرف يا عمّي... بس سمعت كلام إن واحد اسمه عبد الله طايع ورا الموضوع، وإن عزيزة مبيّتاله. ضحك أبو المكارم ساخرًا وقال مثلًا قديمًا: كان في السوق مثل بيقول... حطّوا عزيزة وعبد الله في كيس، طلعت من بينهم حيّة تستغيث! قال الغربي بدهشة: مش فاهم حاجة يا عمّي. ردّ تمام: ولا أنا يا خال.
ابتسم أبو المكارم ابتسامة غامضة وقال بهدوء: لو راجل ضرب مراته، ومراته بتعشقه... تفتكر تعمل فيه إيه يا تمام؟ صمت الجميع. ثم أضاف ببرودٍ يقطع الأنفاس: عزيزة تبقى مرات عبد الله طايع... وأول بختها.
ولو عمل فيها أكتر من كده، كانت هتعدّيله. ساد الصمت. حتى نسمة الهواء التي مرّت... توقفت كأنها خافت أن تفسد لحظة الكشف. وفجأة، انطلقت من آخر السوق حيث مخزن عبد الله طايع صرخةٌ مدوّية أيقظت الرعب في القلوب.
هرع الناس إلى مصدر الصوت، وتبعهم الغربي عمران وتمام وأبو المكارم. كان بدران الجهيني ملقى على الأرض، جسده غارق في دمائه، والمفتاح الذهبي ما زال في يده.
أحدهم همس: ده الراجل اللي قتل إبراهيم الكردي من عشر سنين! وصاح آخر: محدّش شاف مين خلّص عليه! اقترب ثالث وقال بصوتٍ منخفض: في مخزن عبد الله طايع... يبقى مين اللي قتله؟ اقتربت امرأة وقالت بخوف: اسكت خالص... عبد الله طايع جاي هنا هو والبوليس!" نظر الغربي عمران إلى الجثة، ثم التفت إلى أبي المكارم هامسًا: شكله يخوّف رغم إنه ميت... مين ده يا عم أبو المكارم؟ رفع أبو المكارم عينيه نحو الأفق ولم ينطق بكلمة... فلقد فتح بدران الجهيني عيناه.
تعليقات
إرسال تعليق