
لم يكن الليل قد انصرف تمامًا،لكن المستشفى كانت مستيقظة أكثر مما ينبغي.الأنوار البيضاء الممتدة في الممرات لا تُشبه الضوء،بل تُشبه اعترافًا قسريًا لا يمنح الدفء،ضوءٌ بارد، يُعرّي الوجوه، ويترك القلوب في العتمة.في الطابق الثاني،كانت غرفة الغربي عمران أشبه بجزيرة معزولة وسط بحرٍ من الترقّب.الأجهزة تحيط بسريره كحراسٍ صامتين،الشاشة الخضراء ترسم نبضه بخط متعرّج،كأن قلبه لم يقرر بعد إن كان سيواصل… أم يتوقف.الغربي عمران فتح عينيه فجأة.
لم يكن الألم هو ما أيقظه،ولا صوت الأجهزة،بل ذلك الإحساس الغامض الذي يعرفه الرجال قبل الكوارث بثوانٍ.الإحساس بأن الهواء نفسه تغيّر.السكون في الغرفة لم يعد سكونًا…صار انتظارًا.حرّك عينيه ببطء.
أبو المكارم كان جالسًا في الزاوية،جلبابه الرمادي الداكن يبدو أثقل من جسده،عمامته البيضاء مائلة قليلًا كأنها تعبَت من الوقوف.ليمونة لم يكن موجودًا.
وعزيزة غادرت قبل ساعة لتعود بشاي دافئ.الغرفة، لأول مرة، بدت فارغة أكثر مما ينبغي.ثم…صوت خطوات.
خطوات لا تُشبه خطوات الممرضين،ولا تسرّع الأطباء،بل خطوات محسوبة، بطيئة،كأن صاحبها يعرف تمامًا أين يضع قدمه… ولماذا.توقفت الخطوات أمام الباب.
الغربي عمران شعر بانقباضٍ في صدره،ليس من الخوف،بل من التحذير.الباب فُتح دون استئذان.دخل رجل طويل القامة،يرتدي معطفًا رماديًا مستقيم الخطوط،لا تجعيدة فيه،ولا زرّ زائد.في يده ملف أسود سميك،كأن داخله ليس أوراقًا… بل مصائر.وجهه كان هادئًا على نحوٍ غير بشري،لا ابتسامة،ولا عبوس،مجرد وجه رجل تعلّم منذ زمنٍ بعيدكيف يُخفي كل شيء.
تقدّم خطوتين،ثم توقّف.
نظر إلى الغربي عمران نظرة فاحصة،نظرة لا تبحث عن ملامح،بل عن أثر.قال بصوت منخفض، ثابت،صوت لا يحتاج أن يُرفع كي يُسمع:أخيرًا… فُقت.
كنت مستني اللحظة دي.الغربي حاول أن يتكلم،لكن الكلمات علقت في حلقه.الرجل اقترب أكثر،حتى صار على بُعد خطوة واحدة من السرير.إنت متعرفنيش… وده طبيعي.
بس أنا أعرف عنك حاجات…أكتر مما أهلك نفسهم يعرفوها.في الزاوية،تحرّك أبو المكارم بقلق.نهض فجأة،وعيناه اتسعتا على نحوٍ غير مألوف.
إنت مين؟!
ومين سمحلك تدخل هنا؟
الرجل لم يلتفت فورًا.أنهى نظرته للغربي أولًا،ثم أدار رأسه ببطء نحو أبو المكارم.وفي تلك اللحظة،تغيّر وجه أبوالمكارم.ليس خوفًا…بل معرفة.
قال الرجل بهدوء قاتل:أنا مش محتاج إذن.وإنت أكتر واحد عارف كده.كأن ضربة غير مرئية أصابت صدر أبو المكارم.تراجع خطوة دون وعي،وتصلّبت يده على طرف الجلباب.
الغربي عمران لم يفهم شيئًا،لكن إحساسه الداخلي صرخ:هذا الرجل ليس ضيفًا…هذا الرجل ملفّ مفتوح.
في السرير المقابل،تحرّك جسد بدران الجهيني.في البداية،كان الارتجاف خفيفًا،ثم اشتدّ فجأة،كأن صدره يحاول لفظ شيءٍ عالق منذ سنوات.
دخلت الممرضة جميلة مسرعة،شعرها مربوط بإهمال،وعيناها اعتادتا رؤية الأسوأ.يا ساتر يا رب…ده بيمر بأزمة!حد يجيب الدكتور!لكن قبل أن يفقد بدران وعيه تمامًا،فتح عينيه للحظة قصيرة،لحظة واحدة فقط.نظر إلى الغربي عمران مباشرة،نظرة لا تشبه نظرات المرضى،بل نظرة رجل يعرف شيئًا…ولا يملك وقتًا ليقوله.
همس بصوت متكسّر:ما تسيبوهمش…يكملوا.ثم أغمض عينيه.وغرق.الكلمة سقطت في الغرفة كحجرٍ في ماءٍ راكد.لا صوت بعدها،ولا تفسير.الجميع نظر إلى الغربي عمران،كأنه وحده من فهم.والحقيقة؟
الغربي لم يفهم…لكنه شعر بأن الكلمة تحمل خلفها هاوية.فجأة،انشقّ الهواء بصوت صراخ من الخارج،وصوت زجاجٍ يتحطم.الأنوار انطفأت،ثم عادت متقطعة.
المستشفى اهتزت،اهتزازًا خفيفًا،لكنه كافٍ ليوقظ الرعب النائم.الممرضة جميلة صاحت:فيه حاجة غلط!الكهربا انقطعت!ومن الظلام،ظهر ليمونة.
وجهه شاحب،أنفاسه متلاحقة،وعيناه لا تعرفان الكذب.غربي…فيه ناس برا بيسألوا عليك.ناس شكلهم مش بتوع خير.أبو المكارم صرخ:مين؟!
منين؟!ليمونة بلع ريقه:مش عارف…بس واحد فيهم قال اسمه…حازم التوّاب.وبيسأل عنك بالاسم.في تلك اللحظة،ارتعشت يد الرجل صاحب المعطف الرمادي.
ارتعاشة خفيفة،لكنها حقيقية.أغلق ملفه الأسود فورًا،كأن القرار اتُّخذ.الغربي عمران شعر بشيء ينكسر داخله.اسمه لم يعد اسمه…صار مفتاحًا.
دخلت عزيزة مسرعة،شعرها منفلت،عيناها ممتلئتان بالرعب.غربي!إوعى تسمع لحد!حازم التواب ده…مش جاي يسأل.ده جاي ياخد.الغرفة تحولت إلى دوامة.
الأصوات تعالت.
الأنفاس اختنقت.
الغربي حاول أن يجلس،لكن جسده خانه.عزيزة أمسكت بيده:لازم نطلعك من هنا…دلوقتي!الرجل الرمادي قال بحزم:محدّش يخرّجه.الموضوع أكبر منكم كلكم.
أبو المكارم اندفع نحوه:إنت هتسكت ولا…ايه يا باشا؟ليمونة قاطعه وهو يصرخ:برا فيه رجالة مسلحين!الموضوع مش هزار!الممرضة جميلة اقتربت من الغربي،وضعت يدها على كتفه،وقالت بصوتٍ مبحوح:لو خرج…ممكن يموت.ولو قعد…ممكن يموت.
الصمت نزل على الغرفة كالكفن.الرجل صاحب المعطف الرمادي اقترب من السرير،وقال بصوت منخفض لكنه قاطع:اسمعني كويس…إنت في نصّ الطريق.
وكل طرف عايزك ورقة.الغربي بصوتٍ مكسور:ليه؟أنا عملت إيه؟الرجل اقترب حتى صار صوته همسًا:مش إنت اللي عملت…اللي اتعمل فيك.عزيزة شهقت.أبو المكارم أدار وجهه.
جميلة عضّت شفتها.وليمونة اتسعت عيناه.ثم…دخل الدكتور عبد المغيث مسرعًا:اطلعوا برّا!المستشفى ما بقتش آمنة!لكن خلفه،ظهر رجل أسمر ضخم،عيناه باردتان كالمعدن،يحمل سلاحًا قصيرًا يظهر من معطفه.ابتسم ابتسامة لا تعرف الرحمة.وقال بهدوءٍ قاتل:أنا حازم التوّاب.
وجاي آخد اللي جاي عشانه.في تلك اللحظة،خطا الرجل ذو المعطف الرمادي خطوة للخلف.خطوة واحدة…لكنها كانت اعترافًا.الغربي عمران فهم الآن شيئًا واحدًا فقط:أنه يقف بين ظلّ الدولة…وسكين الظل.وكانت الحقيقةتحاول أن تفتح بابها.لكن الخطر…كان قد دخل بالفعل.
#الغربي_عمران #رواية بقلم #فرحات_جنيدي الي اللقاء في الفصل الثاني عشر
تعليقات
إرسال تعليق