القائمة الرئيسية

الصفحات

"الست"… حين يصبح الجدل جزءًا من العرض بقلم فرحات جنيدي


منذ اللحظة الأولى، لم يُقدَّم فيلم "الست" بوصفه عملًا سينمائيًا فقط، بل كحدث ثقافي مشحون سلفًا بالأسئلة والاتهامات وسوء الظن.


 اسم أم كلثوم ليس اسمًا عاديًا في الوجدان المصري، بل رمزًا يتجاوز الفن إلى الهوية، وأي اقتراب منه لا يُقاس بمعايير السينما وحدها، بل بمعايير الانتماء والقداسة الشعبية.

هنا، يدخل مروان حامد إلى منطقة يعرف خطورتها جيدًا. مخرج اعتاد الاشتباك مع الموضوعات ذات القيد، من "عمارة يعقوبيان" إلى "الفيل الأزرق"، لكنه هذه المرة لا يصطدم بالمجتمع فقط، بل بالذاكرة.

مروان حامد: سينما الأسئلة لا الإجاباتلا يمكن فصل "الست" عن مشروع مروان حامد العام: سينما لا تُطمئن المشاهد، ولا تمنحه ما يريد سماعه. 

هو مخرج يميل إلى تفكيك الصورة أكثر من تمجيدها، وإلى تعرية الرمز بدل تلميعه.لكن السؤال الجوهري هنا:هل كل رمز قابل للتفكيك؟حامد لا يُدين أم كلثوم، لكنه يجرؤ على نزع الهالة، وهذا وحده كافٍ لإشعال الجدل. 

إخراجيًا، الفيلم محسوب، هادئ، يراهن على الإيحاء لا الصدام المباشر، وعلى البناء النفسي لا الاستعراض. هذه مدرسة واضحة، لكنها ليست بالضرورة مدرسة محبوبة جماهيريًا.منى زكي… اختيار ذكي أم فخ محسوب؟منى زكي ليست غريبة عن الجدل. 

من "أصحاب ولا أعز" إلى أعمال أخرى واجهت هجومًا أخلاقيًا ونقديًا، اعتادت أن تقف في منطقة ملتبسة بين الشعبية والمخاطرة.

 اختيارها هنا ليس صدفة، بل قرار واعٍ: ممثلة قادرة على تقديم الهشاشة دون انكسار، والقوة دون ادعاء.لكن منى زكي تدفع ثمنًا مضاعفًا:تؤدي شخصية بحجم أم كلثوموفي مناخ لا يفصل بين النقد الفني والهجوم الشخصي أداؤها بعيدًا عن المزايدات منضبط، غير استعراضي، يحاول الاقتراب من الإنسان لا الأيقونة.

 وهذا تحديدًا ما أغضب البعض.هل هناك تشويه متعمد لأم كلثوم؟هنا يجب أن نكون دقيقين لا انفعاليين.نعم، أم كلثوم كانت:شديدة الحرص على المالواعية بقيمتها الفنية صاحبة قرارات حادة أحيانًانعم، تزوجت أكثر من مرة، وكانت امرأة تعرف ماذا تريد.

لكن السؤال ليس: هل هذه الحقائق موجودة؟

بل: كيف قُدِّمت؟الفيلم يختار زاوية واحدة من زوايا متعددة، ويُكثّف الضوء عليها. هذا ليس تزويرًا بقدر ما هو اختزال.

 والاختزال في سيرة رمز خطر دائمًا، لأنه يُفهم كتشويه حتى لو لم يكن كذلك في نية الصانع.

نظرية المؤامرة: هل هي حقيقية أم مهرب سهل؟

القول إن الفيلم جزء من مؤامرة لتشويه رموز مصر الفنية يبدو مريحًا، لكنه كسول فكريًا. الفن لا يعمل بهذه البساطة. لا يوجد دليل على نية هدم بقدر ما يوجد رهان على الجدل.والحقيقة الأكثر إزعاجًا:الجدل كان مطلوبًا… بل ومخططًا له.السينما في جوهرها صناعة.

والصناعة لا تعيش على الإجماع، بل على الضجيج.كعمل سينمائي… هل نجح الفيلم؟إذا فصلنا العاطفة عن التقييم:إخراجيًا: عمل متماسك، لا فوضى فيه تمثيليًا: أداء جاد، غير سطحي دراميًا: إيقاع بطيء قد يُرهق بعض المشاهدين جماهيريًا: فيلم لا يسعى للإرضاء نجح الفيلم في أن يكون فيلمًا مثيرًا للجدل، لكنه لم يسعَ لأن يكون فيلمًا محبوبًا، وهنا الفارق.

ويبقى السؤال: أين تقف الحقيقة؟"الست" لم يهدم أم كلثوم، ولم يُنصفها بالكامل.لم يكن عملًا عدائيًا، ولم يكن احتفائيًا.هو فيلم اختار أن:يرى الرمز كإنسانويترك المشاهد في حيرة وهذا في حد ذاته فعل سينمائي مشروع، حتى لو كان موجعًا.

المشكلة ليست في الفيلم وحده، بل في سؤال أكبر:هل نريد من السينما أن تحرس الذاكرة… أم أن تفتحها للنقاش؟

"الست" فتح الباب.

والضجيج الذي تلا ذلك، كان جزءًا من العرض.

تعليقات

التنقل السريع