
الهواء كان مالحًا أكثر من اللازم،كأن البحر قرر أن يتقدّم خطوة إلى اليابسة،وكأن المدينة تعرف، دون أن تقول،أن هذا اليوم لن يُمحى بسهولة.الراديوهات مفتوحة في المقاهي،الأبواب نصف مغلقة،والعيون متجهة إلى ميدان المنشية،حيث تتراكم الجموعكما تتراكم اللحظات قبل الانفجار.كان السادس والعشرون من أكتوبر 1954.
يومٌ قيل عنه احتفال،لكنه كان في الحقيقة اختبارًا.اختبارًا للصوت،للثبات،وللرصاص حين يخطئ هدفه ويصيب الذاكرة.
من شرفةٍ عالية،على مسافة لا تتجاوز بضع خطوات من الموت،كان جمال عبد الناصر يخاطب الناس،وصوته يُبثّ إلى ما وراء المدينة،إلى مدنٍ أخرى،وآذانٍ أخرى،وقلوبٍ كانت تبحث عن معنى.وحين دوّى الرصاص،ثماني طلقات خرجت من جسد رجليحمل غضب تنظيمٍ كامل في إصبعه،لم يكن الصوت مجرد إطلاق نار،بل كان شقًّا في الزمن.
الزجاج تناثر،الأجساد اضطربت،والهلع حاول أن ينتصر.لكن الرجل على المنصةلم يتحرّك.
رفع صوته أعلى من الرصاص،كأنه يوبّخ الخوف نفسه.والمدينة…حبست أنفاسها.ومن بين هذه الأنفاس المحبوسة،كان هناك شابٌ لم يكن شيخًا بعد…كان أبو المكارم شابًا نحيل الجسد،صلب النظرة،يدفع عربة خشبية قديمةتئن تحت صناديق الخضار.جرجير… طماطم… خيار يا ناس.
كان ينادي،لكن الإسكندرية في ذلك اليوم لم تكن تسمع الباعة.كانت تسمع صوتًا واحدًا فقط.صوت جمال عبد الناصر.ميدان المنشية كان بحرًا من الرؤوس.أجساد متلاصقة.أنفاس ساخنة.
أعين مرفوعة إلى منصة مرتفعةيقف فوقها الرجلالذي صار وطنًا في صوت.أبو المكارم أوقف العربة.تركها في منتصف الطريق.
الخضار تُركت.البيع انتهى.الشراء انتهى.وقف.صمت.واستمع.عبد الناصر يتكلم.كلماته تضرب الهواء بقوة.عن الكرامة.عن الخيانة.عن الذين يبتسمون وهم يطعنون.وأبو المكارم…لم يكن يستمع فقط.كان يراقب.عينه لم تستقر على المنصة وحدها،كانت تمسح الوجوه،وجهًا… وجهًا.وجوه لا تصفق.وجوه لا تهتف.
وجوه تنظر حولهاأكثر مما تنظر للأمام.شيءٌ مالم يكن طبيعيًا.ثم…انكسر الزمن.فرقعة حادة،كأن الهواء انشق.ثم ثانية.ثم ثالثة.رصاص.صراخ.تدافع.أجساد تهرب بلا اتجاه.الرصاصة مرّت قريبة.قريبة جدًا.أبو المكارم لم يجرِ.تسمّر لثانية واحدة.في تلك الثانية التقط المشهد كاملًا.
رجلان يتحركان بعكس التيار.يدٌ ثالثة تخرج من تحت قميص.وجه شاحب.عينان بلا خوف.هما دول…لم يقلها بصوت،قالها في صدره.ترك العربة.اندفع.اصطدم.دُفع.سقط.نهض.رأى أحدهم يختفي في زقاق جانبي.طارده.الزقاق كان ضيقًا.الأنفاس تتلاحق.الخطوات تتسارع.قبضةٌ هوت على رأسه.
سقط.الدم غطّى عينه اليسرى.الدنيا اهتزّت.وقبل أن يغيب…رأى المعطف.معطف رمادي.نظيف.ثابت وسط الفوضى.رجل يقف بهدوء غير طبيعي.لا يركض.لا يصرخ.عيناهباردتان،كأنهما خارج الزمن.الرجل أمسك بالمعتدي.حركة واحدة.سقوط صامت.ثم مدّ يده.قوم…مش وقته تقع.صوت هادئ.مستقر.كأنه لا يعرف الارتباك.
أبو المكارم أمسك باليد.نهض مترنحًا.شوفتهم…وشوفت وشوشهم.الرجل لم يسأل.لم يندهش.هتفتكرهم.عمري ما بنسى وش.الرجل أومأ،وأشار بعينه إلى ضباط الأمن القادمين.تعالى.أبو المكارم مسح الدم عن حاجبه،نظر إليه نظرة سريعة،ومدّ يده بتلقائية ابن الشارع:واضح إنك ضابط…أخوك أبو المكارم.اليد كانت خشنة.صادقة.مرهقة.الرجل ذو المعطف الرماديتردّد نصف ثانية،ثم صافحه.ابتسامة صغيرةمرّت على وجههكأنها لم تكن.أخوك…مهاب المنفلوطي.
قالها بصوت يملاه استقرار غريب.قبضته كانت ثابتة،لا تشد،ولا ترتخي.ومنذ تلك المصافحة…لم يعد الاسم مجرد اسم.صار علامة.صار طريقًا.ولم يعد أبو المكارمبائع خضار فقط.فجاه ارتعش الضوء الأبيض،وعلى صفير الأجهزةلقد نفد صبر حازم التواب،
فضرب بصوته قلب وعقل أبو المكارم،مهددًا بـ«الليالي السودة»إن لم يعرفأين ذهب الرداء الأخضروما كان معه من ذهب.وامتزج الهواءبصوت حازم،وبرائحة المطهّر،والخوفالذي ملأ الغرف والممرات في المستشفى.وسط الذكرياتوأنين المرضى،وقف أبو المكارم،ظهره محنيّ قليلًا.لكن عينيه…هما نفس العينين.
وأمام السريريقف الرجل نفسه.ذو المعطف الرمادي."مهاب المنفلوطي".لكنه اليوملا يستطيع أن يفعل شيئًا.أبو المكارم همس،وصوته يخرج من بين زمنين:عرفتك من وقفتك…لسّه هي هي.ولا الزمن يعرف يكسرك.لكن عمري ما عرفتك ساكت.مهاب نظر إليه طويلًا.
نظرة تعرف أكثر مما تقول.وإنت…طول عمرك بتشوفاللي غيرك ما يشوفوش.تحوّلت عيناه ببطءإلى حازم التواب.ثم عاد بنظرهإلى أبو المكارم.همّ بالخروج،ثم توقّف عند الباب.التفت نصف التفاتة،كأنه تذكّر شيئًا،أو كأنه قررألا يترك الحقيقة كاملة خلفه.
قال بصوت منخفض،هادئ أكثر مما ينبغي:على فكرة يا أبو المكارم…أول مرة شفتك فيها ما كانتش صدفة.لم ينتظر ردًا.فتح الباب.خرج.وأغلقه خلفه بهدوءيشبه التهديد.
أبو المكارم ظل واقفًا.الضوء الأبيض فوق رأسه يرتعش.
صوت الأجهزة عاد أعلى.أنين المرضى عاد أوضح.لكن داخله…كان في مكان آخر.في ميدان المنشية.في الزقاق الضيق.في لحظة السقوط.أدرك متأخرًاأن يوم المنشية لم ينتهِ بعد.
وأن المعطف الرمادي لم يكن شاهدًا على الماضي فقط،بل كان مفتاحًالما هو قادم.
#الغربي_عمران#رواية بقلم #فرحات_جنيدي إلى اللقاء في الفصل الثالث عشر
تعليقات
إرسال تعليق