
لم يأتِ الغروب وحده تلك الليلة.كان يجرّ خلفه ظلًا طويلًا،كأن المدينة تُسلِّم نفسها للليل عن علم… لا عن ضعف.الغربي عمران كان ممددًا على السرير الحديدي،الحديد قديم،والجسد أقدم مما يبدو.كان يملك الشباب كما يملك الوحش نابه.وكان يظن أن القوة شيء لا يُسلب.حتى جاءت الطعنة…صغيرة،أسفل القلب بقليل.لم تقتله.لكنها أطفأت الرغبة.جسده قادر على النجاة،لكن عقله بدأ يتآكل ببطء،كبيتٍ دخلته الرطوبة من شقٍّ لا يُرى.أمامه بدران الجهيني.الميت الذي لم يمت.
الرجل الذي نزف حتى فرغ،ثم عاد ينبت،كزرعٍ شقّ الأرض عنادًا.هو ينهض…والغربي يذبل.كأن الحياة وضعت الاثنين في كفّتين،وسألت بلا صوت:من يريدها أكثر؟دخل رئيس النيابة غرفة بدران بخطوات محسوبة.دفتر أسئلته في يده،وصوت القانون في نبرته.فكّوا قيوده.اقترب، نظر في عيني بدران طويلًا.احكي… كل اللي حصل قبل الطعنة.فتح بدران فمه.لكن الكلمات لم تخرج.من باب الغرفة،انشقّ الممر.كان حازم التواب قادمًا.
توقفت حركة رئيس النيابة لحظة.لم يكن اللقاء متفقًا عليه.ولا مرغوبًا.وجه حازم…الغضب المعتاد،لكن تحته شيء أقدم…شيء يعرفه رئيس النيابة جيدًا.وفجأة…انفتح باب الذاكرة.فيلا.ليل.قاضيان شرعيان.نساء.رشوة جنسية.صحف تصرخ.ومحاكم شرعية تُغلق إلى الأبد.لم يتذكر العناوين.تذكّر التفاصيل التي لم تُكتب.والاسم الذي لم يظهر في الأخبار:حازم التواب.تلاقت العيون.قال حازم بصوت منخفض، بلا سلام: النهارده دي مش وقتها.وقبل أن يرد رئيس النيابة،جاء رجل من الخلف…لهاث،همس،كلمتان فقط.تغيّر وجه حازم في ثانية.استدار.وغادر.وقف رئيس النيابة مكانه.فهم كل شيء…أو كاد.نظر إلى بدران.ثم إلى الغربي عمران الممدد.قال فجأة: فكّوا قيوده هو كمان.
ثم خرج.خرج لأنه أدركأن التحقيق انتهى قبل أن يبدأ،وأن ما يحدث الليلةأكبر من محضر.كان مهاب المنفلوطي يقف قرب الباب.رأى حازم التواب ورجاله يندفعون.السيارات تُدار بعجلة.الوجوه مشدودة.فيه إيه؟لم يتوقف حازم. اركَب… متسألش.ركب مهاب.وفي داخله شعور قديم:أن هذه الليلةلن تُنسى.في شقة أبو زيد عبد المقصود،كان الليل أكثر كثافة.نور خافت.ستائر مسدلة.أوراق بلا أسماء…إشارات فقط.جلس أبو زيد خلف المكتب.
.يده ترتعش.دخل عبد الله طايع.بدران بيقوم.قالها أبو زيد كمن يعلن خراب بيته.عبد الله ابتسم.ابتسامة رجل لا يؤمن بالمفاجآت.ما يقومش.إنت فاهم يعني إيه لو فاق؟ده هيقلب الترابيزة… علينا كلنا.اقترب عبد الله،ضغط بكفه على المكتب.إحنا مش بنقتل،إحنا بنغلق ملف.ومحسن؟شاهد.والشاهد ما ينفعش يعيش.صمت قصير.ثم قال أبو زيد: الليلة؟الليل شاهد…بس ما بيشهدش.محسن مزيرق كان يسير كمن يُساق.عرق بارد.قلب يخبط.قال له القاتل المأجور: إنت بس تشير.وأنا؟إنت مش في الحساب.دخلوا المستشفى.لم يسألهم أحد.الممرات صفراء.الخطوات خافتة.وقفوا أمام غرفة بدران.فتح القاتل السكين.لمع النصل.محسن رفع إصبعه…وأشار.في اللحظة دي،لم يكن بدران مريضًا.
انقضّ.قبض على يد القاتل قبل أن تهبط.صوت العظم.الارتطام بالحائط.السكين سقط.لكن بدران التقطها.الطعنة خرجت منه بلا تفكير…لكنها لم تذهب للقاتل.ذهبت إلى محسن.قال بصوت طفل: أنا… ما كنتش قاتل.وسقط.القاتل حاول الهرب.لكمة أسقطته.عاد الصوت.الضوء.الناس.الأمن.التمريض.المرضى.محسن غارق في دمه.القاتل مقيد.وبدران… واقف.على قدميه.ثابت.وفي الزاوية…نهض الغربي عمران.نهض بلا ألم.بلا جسد.نظر حوله…رأى وجوهًا تبكي بحرقة.قال في نفسه: ليه بيبكوا عليّ؟نظر إلى السرير.تحسسه بيده.بحث عن نفسه.يمكن أنا لسه راقد…يمكن ده مش مكاني.عاد ينظر إلى الوجوه.ثم إلى بدران.ثم إلى الدم.وفكّر: يمكن أنا مت…وده قبري…ودول المشيعين.جلس.واستسلم للفكرة.وفي اللحظة التي صدّق فيها الموت…عاد الصوت.أوضح.أقرب.صوته هو.وهنا…بدأ الليل الحقيقي.#الغربي_عمران#رواية بقلم #فرحات_جنيديإلى اللقاء في الفصل الخامس عشر
تعليقات
إرسال تعليق