القائمة الرئيسية

الصفحات

أكذوبة الحب : حين يهزمنا الوهم وننتصر باليقين بقلم الدكتور أسامة مختار

الدكتور أسامة مختار

لطالما عبدَ الإنسانُ الأوهامَ التي ينسجها خيالُه ، وأخطرُ هذه الأوهام هو ذلك 'الحب المتخيل' الذي نُلبسه لمن نشاء، ثم نبكي حين يصفعه الواقع فينكشف زيفه. 


إننا غالباً لا نحب الآخرين، بل نحب الصورة الجميلة التي رسمناها لهم وأسقطناها عليهم في مخيلتنا ؛ فإذا ما هبّت رياح الحياة بمرّها وأزماتها، تهاوى ذلك الصنم الورقي.
 إن الحب الحقيقي ليس سكرةً في خيال، بل هو 'صمود' في وجه التفاصيل اليومية ومن يضيع الحب هو الذي يحب ليأخذ لا ليعطي . وثنية الخيال وهشاشة الأصنام الذهنية إن ما نسميه غالباً "حبًا" ليس إلا عملية "نحت" لتمثال ذهني نصنعه في معبد مخيلتنا، ثم نخرّ له ساجدين.

 نحن لا نحب الشخص الماثل أمامنا بضعفه وبشريته، بل نحب "الفكرة" التي أسقطناها عليه. هذا النوع من الحب هو أكذوبة كبرى؛ لأنه مشروط بالكمال الذي اخترعناه.

 فبمجرد أن تظهر أول فجوة في جدار المثالية، أو يتبدى طبعٌ بشريٌّ لا يروق لنا، ينهار الصنم ويتحول الحب إلى سخط. إننا في الحقيقة نعبد "أهواءنا" المتجسدة في الآخر، وهذا هو قمة الوهم.

 الحب الحقيقي: ابنة المعاناة والصمود على النقيض من ذلك الصنم الهش، يولد الحب الحقيقي من رحم الواقع المرّ قبل الحلو. إنه لا يتغذى على قصائد الغزل، بل على الخبز والملح والمواقف الصعبة.

 هو ذاك الرباط الذي يشتدّ وثاقُه في لحظات الانكسار، وفي تدبير شؤون الحياة اليومية المرهقة، وفي تقبل العيوب قبل المزايا. الحب الحقيقي هو "قرار" بالبقاء حين تضيق السبل، الحب هو الحياه حين نقرر أننا سنكملها مع بعض بحلوها ومرها ، الحب الحقيقي هو القدرة على رؤية الجمال في التجاعيد التي خلفتها السنون، وفي الصبر على الأزمات المالية والعاطفية. 

إنه حبٌّ لا يطلب "الكمال"، بل ينشد "السكينة" والمشاركة بكل أبعادها. حب الذات الإلهية: الملاذ والمصدر لكن، كيف لقلب بشري ضعيف أن يصمد أمام تقلبات الحياة ؟ هنا يبرز الحب الأسمى؛ حب الخالق الذي أوجدنا من عدم وأمدنا بكل نَفَسٍ ونبضة. إن حب الله هو "الحب الوحيد" الذي يحررنا من عبودية الأشياء والأشخاص. 

حين يمتلئ القلب بمحبة الله، يصبح حبه للبشر "في الله" وبالله، فلا ينكسر بخذلان، ولا يطغى بعطاء. هو حبّ قائم على الافتقار والامتنان لربٍّ يعطي بلا منّ، ويغفر بلا حد، ويحب عبده أكثر من حب الأم لوليدها.

 هذا الوصل بالله هو الذي يمنحنا "الطاقة" لنحب الآخرين بصدق ورحمة. حب الرسول ﷺ: مدرسة الوفاء والارتقاء ويكتمل هذا البنيان الروحي بحب سيد الخلق ومصطفاه ﷺ؛ فهو المعلم الذي ترجم الحب الإلهي إلى سلوك بشري راقٍ.

 حبه ليس مجرد ترانيم ولا قصائد غزل عفيف ، بل هو اتباع لمنهج "الرحمة المهداة". في حبه ﷺ نتعلم كيف نحب بوفاء وبرقي وبشعورنا بمسؤوليتنا تجاه كل كبد رطبة. 

إن حب النبي ﷺ هو القناة التي نُصفي من خلالها مشاعرنا من شوائب الأنانية، لنرتقي بالحب من مستوى الغريزة والوهم إلى مستوى الرسالة والقيمة. وختاما : العودة إلى ديار اليقين في نهاية المطاف، ندرك أن الحب ليس حالة من "التيه" في خيالاتنا، بل هو "يقظة" الروح لمسؤولياتها.

 إن تحطيم أصنام الوهم هو أول خطوة نحو تذوق برد اليقين؛ فالحب الحقيقي ليس وهماً نعيش فيه، بل هو حياة نعيشها بصبرنا وصدقنا. 

فاجعل من حبك للبشر جسراً يعبر بك إلى حب الخالق، واجعل من حب الله حصناً يحميك من صدمات البشر. فمن وجد الله، ماذا فقد؟ ومن أحب في الله، لم يعرف قلبه طريقاً للخذلان أبداً
أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع