القائمة الرئيسية

الصفحات

لن أقفز بقلم الدكتور عبدالعزيز آدم

 الدكتور عبدالعزيز آدم

“من كان مسلمًا فلا يقفز”…ليست مجرد عبارة عابرة في مدرجات كرة القدم، بل إهانة صريحة، ووصمة عار تُلطخ جبين من رددها، ومن صمت عنها، ومن حاول تبريرها.


في لحظة كان يُفترض أن تكون رياضية بحتة، خرجت هذه الكلمات لتعلن بوضوح أن العنصرية لم تعد سلوكًا هامشيًا، بل أصبحت صوتًا مسموعًا، وجمهورًا يصفق له، ومساحةً يُمارس فيها الإقصاء بلا خجل. لم تكن هناك حرب، ولا توتر سياسي، ولا حتى مباراة مصيرية. مجرد لقاء ودي، لا يحمل في طياته أي شحنات تاريخية أو دوافع عدائية. ومع ذلك، اختار البعض أن يحولوه إلى منصة للكراهية.

فأي عقلية هذه التي ترى في دين إنسان سببًا للسخرية؟

وأي انحدار أخلاقي هذا الذي يجعل من إهانة الآخر وسيلة للترفيه؟

الحقيقة المؤلمة أن هذه الحادثة ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة طويلة من التمييز الممنهج ضد المسلمين في كثير من المجتمعات الغربية. خطاب إعلامي يُشيطن، وسياسات تُقصي، وصور نمطية تُغذّي الخوف والكراهية… ثم يأتي من يندهش عندما تتحول المدرجات إلى مسرح لهذا الانفلات الأخلاقي.

الأخطر من الهتاف نفسه، هو ما يحيط به من صمت بارد، أو تبريرات هزيلة.

حين تُهان فئة معينة، يصبح الأمر “حماسة جماهير”.

لكن لو وُجهت نفس الإهانة لغيرها، لانقلبت الدنيا، وارتفعت شعارات القيم والحقوق، واشتعلت المنصات غضبًا.

هذا الكيل بمكيالين ليس مجرد ازدواجية… بل نفاق صريح.

إن ادعاء الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان يفقد معناه عندما يصبح انتقائيًا. فإما أن تكون الكرامة حقًا للجميع، أو لا تكون. أما أن تُرفع الشعارات في اتجاه، وتُدفن في اتجاه آخر، فذلك سقوط أخلاقي لا يمكن تزيينه بأي خطاب.

الرياضة ليست بريئة دائمًا، لكنها أيضًا ليست ساحة مفتوحة للعنصرية.

وعندما تتحول الجماهير إلى قطيع يردد الإهانة دون وعي أو مساءلة، فإن المشكلة لم تعد في الأفراد، بل في ثقافة تُنتجهم، وتغذيهم، وتحميهم أحيانًا.


“لن أقفز”… ليست مجرد رد فعل.

بل إعلان رفض.

رفض لأن أُختزل في هويتي الدينية.

رفض لأن يُملى عليّ كيف أتصرف كي أُقبل أو أُرفض.

رفض لأن أكون هدفًا سهلًا لسخرية جماعية مغلفة بروح رياضية زائفة.

لن أقفز… لأن الكرامة لا تُساوم.

لن أقفز… لأن الاحترام ليس خيارًا يُمنح، بل حق يُنتزع.

لن أقفز… لأن من يطلب مني القفز اليوم، لن يتردد غدًا في طلب ما هو أكثر إذلالًا.

ولعل السؤال الأهم ليس: لماذا لم أقفز؟

بل: لماذا قفزوا هم فوق كل القيم؟


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع