منذ طفولتنا، قُدِّمت لنا حكاية "علي بابا والأربعين حرامي" باعتبارها قصة انتصار الفقير الذكي على عصابة من الأشرار. لكن، حين نعيد قراءة القصة بعين المنطق، سنكتشف أننا تعرضنا لعملية تضليل أدبي كبرى!
وأول سؤال منطقي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا يتم تصوير علي بابا كبطل؟
الرجل لم يكن شرطياً دولياً يحارب الجريمة المنظمة، ولم يكن محققاً يسعى لاسترداد الأموال لأصحابها الشرعيين؛ بل كان مواطناً بسيطاً مستسلماً لفقره، مرّ صدفة بجوار مغارة، فسمع كلمة السر، ثم عاد لاحقاً ليسطو على ثروة لا يملكها وليست من حقه.
بمعنى أكثر وضوحاً: علي بابا لم يكن "حامياً للعدالة"، بل كان ببساطة لصاً وجد لصوصاً أكثر ثراءً منه فقرر أن يسرقهم (حرامي سرق حرامية!). هو أشبه بشخص اخترق حساب عصابة إلكترونية وسرق أرصدتهم، ثم خرج ليقول للمجتمع بفخر: "اهدؤوا جميعاً... لقد فعلت هذا من أجل العدالة الاجتماعية!"
أما الأطرف من علي بابا نفسه، فهم "الأربعون لصاً" الذين يستحقون بجدارة لقب "اللصوص الأكثر غباءً في التاريخ".
أن تمتلك مغارة مليئة بالذهب والمجوهرات والأموال المنهوبة من عشرات الضحايا، ثم تؤمّن كل هذا الكنز الهائل بنظام حماية يعتمد على كلمتين فقط: "افتح يا سمسم".. أهذا كل شيء؟!
صحيح أن لصوص تلك الحقبة لم تكن لديهم التكنولوجيا الرقمية لحماية ثرواتهم، فلا بصمة عين، ولا رقم سري متغير، ولا كاميرات مراقبة.. ولكن، ألم يكن أدنى درجات التأمين هو وضع حارس يحمي هذه المغارة المستباحة؟
إن نظام أمانهم البدائي يعني أن أي شخص يسمع الجملة عرضاً، أو يتجسس من خلف صخرة، قد يصبح المالك الجديد للثروة. وتخيل لو أن أحد اللصوص تحدث أثناء نومه وقال: "افتح يا سمسم"؟ ربما كانت القرية كلها ستستيقظ لتجد المغارة مفتوحة على مشاع لعرض خاص: "احمل ما تشاء مجاناً".
ثم إن اللصوص كرروا الخطأ بطريقة ممعنة في الفشل؛ فعندما اكتشفوا أنهم تعرّضوا للسرقة، وبدلاً من تغيير كلمة المرور -كما تفعل أي عصابة تملك حداً أدنى من الوعي- استمروا في استخدام الكلمة نفسها وكأن شيئاً لم يكن! وكأننا أمام شركة كبرى تعرضت لاختراق إلكتروني ثم أصدرت بياناً رسمياً يقول: "نشكر القراصنة على ملاحظاتهم، وسنواصل استخدام كلمة المرور نفسها"…
تطرح القصة برمتها سؤالاً جوهرياً: من الأخطر؟
• لص يسرق الناس؟
• أم لص يسرق اللصوص؟
• أم لصوص يحمون ثرواتهم بنظام أمان يصلح لباب مخزن بطاطس؟
ربما الدرس الحقيقي من القصة ليس أن الذكاء ينتصر على الشر، بل أن الفوضى أحياناً تجعل المجرمين يسرقون بعضهم بعضاً، ثم يتحول أحدهم لاحقاً إلى "بطل" في كتب الأطفال.
باختصار: علي بابا كان لصاً.. لكنه كان محظوظاً للغاية لأنه تعامل مع أربعين لصاً يملكون ذهباً كثيراً.. وغباءً يفوق كثرة ذهبهم!

تعليقات
إرسال تعليق