رواية الغربي عمران الفصل السادس بقلم فرحات جنيدي
الليل في إمبابة كان يزحف ببطءٍ كوحشٍ أعمى، يمدّ أنفاسه في الأزقة الضيقة ويغسل الجدران برائحة العرق والدخان.
لكن السوق تلك الليلة لم يكن يشبه عادته.
سوق إمبابة عادةً ينطفئ فور انتهاء صلاة العشاء؛
الكلوبات تُطفأ، الدكاكين تُغلق، والصوت الوحيد الذي يبقى هو وقع نعال الحراس وصوت القطط وهي تتعارك على بقايا الخضر.
لكن في تلك الليلة…لم ينم أحد.
الرجال الذين لا يسهرون إلا لضرورة خرجوا من بيوتهم بفوانيس صغيرة، ومنهم من أشعل لمبة جاز، ومنهم من وقف عند باب دكانه المغلق، كأنه يخشى أن يسمع اسمه في الكلام الدائر.
انتشر الخبر في السوق مثل ريحٍ دافئة:
بدران الجهيني وقع مضروب…
والخواجة بشوي اتسرق…
والغربي عمران كان آخر واحد اتشاف مع بدران… شايله بين دراعاته ويجري بيه على المستشفى.
ومع ثِقَل الليل، ظهر عبدربّه عبدالبَرّ وسط السوق، وضربات حذائه تعلن أنه جاء ليحكم، لا ليسمع. جمع حوله الرجال الذين كانوا يقفون في الظل، وقال بصوت خافت لكنه يقطع الليل:
اسمعوني يا رجاله… السوق ده مش ناقص خراب.
واللي عمل المصيبة دي ما هوش غريب.
أنا وأقولها لوجه الله شمم ريحة جابر أبو جلال.
تسمّرت الوجوه.
وفي الناحية الأخرى، عند دكانٍ مغلق بنصّ قفل قديم، وقف جابر أبو جلال مع أبناء عمومته. كانوا يشعلون سيجارة من سيجارة، والضوء البرتقالي يلمع في الظلام. قال جابر، وبضيقٍ يظهر في صوته أكثر من وجهه:
عبدربّه؟! ده اللي يرمي كلام علينا؟
يا رجاله… ده اللي أهله كانوا يقطعوا الجيوب في سوق روض الفرج!
هو وأولاده… آخر ناس تتكلم عن الشرف.
وفي ركنٍ مُعتم خلف ترابيزة ورق طاولة مكسورة، جلس داهش صبِيّ عبدالله طايع يحتضن ركبتيه كطفل مذعور. كان يسمع الاتهامات تتطاير في الليل:
يمكن بدران اللي عملها
يمكن عبدالله طايع
يمكن واحد من ولاد السوق الضايعين
يمكن… يمكن…
اقتربت أمه منه، وضعت يدها على كتفه، وقالت بصوت خائف:
ما تخافش يا ضهري… اللي ما عملش ذنب ما يخافش.
هي ليلة… وتعدّي.
وعند مقهى تمام، الذي بقي مفتوحًا على غير عادته، تجمّع التجار على ضوء لمبة جاز تتراقص فيها شعلة صغيرة.
كان تمام يضرب على الطاولة بيده كأنه يوقظ سوقًا بأكمله:
يا ناس اسمعوا!
عبدالله طايع بريء…
واللي عملها واحد مجرم من طينة بدران نفسه!
ده بدران الحكومة ما عرفتش تثبت عليه تهمة قتل واحدة!
ورفع عبد القهوجي صوته من خلف صينية الشاي:
اللي يخبط واحد زي بدران… مش واحد بسيط.
دي يد تقيلة… تقيلة أوي.
وعلى مقعدٍ خشبي أمام باب بيتها، جلست عزيزة الأشْموني وحدها.
لا مصابيح، ولا نساء حولها؛ فقط ظلّها الذي يطول ويقصر على الأرض.
كانت تمرر أصابعها فوق بعضها وتهمس:
مين اللي قدر على بدران؟
مين اللي عنده قلب وجرأة يعملها؟
دخل عليها صبيّها لمونة، شعره منكوش من الجري، وقال:
يا ست عزيزة… شوفت الغربي!
ده شال بدران من الأرض… وجرى بيه لحد عربيات الشرطة…
والله ما سابه!
رفعت رأسها…
وشيء ما تحرّك في قلبها لأول مرة.
وفي آخر السوق، عند ميدان الترولي، كانت عربة الحمص واقفة والقدر يغلي ببطء، ورائحة الكمون تسرق الليل من نفسه.
هناك وقف السباعي رضوان ببدلته القديمة التي صبغها الزمن، وجمع الأطفال حول التلفزيون الخشب القديم المثبت فوق الصندوق. صورته تهتز وخط أبيض يشق الشاشة.
قال وهو يرفع عصاه:
يا ولاد… لو كانوا نقلوني من الجيش للشرطة زمان… كنت أجيب اللي ضرب بدران… وأنا مغمّض!
ده أنا اللي كنت أرجع الهارب قبل ما يغيب عن الشارع.
والله لو كانوا مدّوني ضابط… كنت أنضّف السوق من البلاوي دي في ساعة!
ضحك الأطفال، وهزّت شاشة التلفزيون كأنها تصفق له.
وارتفع همس السوق فوق رؤوس الجميع…
همس يزداد كثافة، كأنه يوشك أن يكشف سرًا كبيرًا.
داخل دكان الخواجة بشوي كان مصباحٌ وحيد يتدلّى من السقف، يتأرجح في هواء خانق، يرسم ظلّ الرجل على الحائط كشاهدٍ صامت على القضية.
لم يكن الخواجة واحدًا من الذين ينهارون تحت وهج الضوء.
هو من أولئك الذين يصمتون حتى يتكلم الظل.
يجلس ثابتًا، والوقت يدور حوله، وعيناه معلّقتان على المفتاح الذهبي الملقى على الطاولة الخضراء… كأنه قطعةٌ من ذاكرة لم تُدفن بعد.
قال الضابط وهو يدير المفتاح بين أصابعه، وصوت المعدن يتسلل كصفيرٍ غامض:
المفتاح ده يا خواجة… اتلاقى مع بدران الجهيني. تعرفه؟
ابتسم الخواجة ابتسامة باردة، حادة، كأنها ومضة شفرة:
أعرفه؟ ده ابني يا باشا… بس المفتاح ده ما بيفتحش خزنة.
ده بيفتح حكاية.
تراجع الضابط خطوة بلا وعي:
يعني بدران كان ماسك مفتاح خزنتك؟
رد بشوي ببطء محسوب:
المفتاح من غير السر… ما يفتحش غير الهوا.
قلّب الضابط أوراقه:
الغريب إن الخزنة ما اتفتحتش.
علشان اللي بيفتح الخزنة… مش دايمًا مفتاحها يا باشا.
… والسرقة مش دايمًا في الدهب.
ساعات السرقة… مكانها العقول.
ساد الصمت.
ثم أغلق الضابط دفتره:
تمام يا خواجة… نكمّل تحرياتنا.
حين خرج الضابط، انفجرت العاصفة في الدكان.
ضرب ميلاد الطاولة بيده، وجهه محمرّ:
ليه يا بوي ما قلتش إن بدران هو اللي سرق؟ الناس كلها شافته خارج من المحل!
وقال بطرس، وصوته مشدود:
وعبدالله طايع… ده الحرامي الأكبر. إحنا ليه ساكتين؟
رفع الخواجة رأسه، نظرة واحدة أسكتت الاثنين.
وقال بصوت يخرج من بئرٍ قديم:
فاكرين السوق لعبة؟
بنقول الحق يا بوي!
– الحق… ما يتقالش أول التحقيق.
الحق يبان… لما الكذب يزهق من نفسه.
ثم وقف، يربّت على الطاولة:
علّمتكم إن الدهب ما يخافش من النار…
لكن الظاهر… إنكم إنتو اللي بتخافوا من الصدق.
في قسم الشرطة اختلطت رائحة القهوة الباردة بدخان السجائر وأزيز المراوح القديمة.
دخل الخواجة، وجهه شاحب، وقال للضابط:
عدّيت الدهب… جرام بجرام… ما نقصش.
يعني مافيش سرقة؟
ولا فص ماس.
لكن اللي اختفى… حلق.
حلق إيه؟
حلق دهب… عملته بإيدي. ليه نسختين بس.
واحدة تخص عزيزة الأشْموني.
والتانية كانت في برواز جنب صورة العدرا والمسيح.
سكت لحظة:
بعد ما طمنت على الدكان… بصيت على البرواز.
مكان الحلق… فاضي.
.
أشعل الضابط سيجارة:
يعني فيه سرقة.
قلتلك… دكاني ما يتسرقش.
الحلق راح فين؟
اتسرق… بس مش من الدكان.
فيه لعبة أكبر من كده…
اللعبة في اللي بيحرّك السوق.
وهمس:
المفتاح اللي لقيتوه مع بدران… مش مفتاح خزنة.
ده باب بين زمنين.
دخل عبدالله طايع غرفة التحقيق يتصبّب عرقًا، يداه ترتجفان رغم محاولته إخفاء ذلك.
جلس على الكرسي كأنه يجلس فوق مسامير.
قال الضابط:
الحلق اتلاقى في مخزنك.
صرخ عبدالله، وصوته مبحوح من الخوف:
ما ليش دعوة!
كنت في روض الفرج… سهران عند المعلم خليفة أبو دومة!
اقترب الضابط منه، حدّق في عينيه:
عندك شهود؟
ابتلع عبدالله ريقه:
بدل الواحد… عشرة.
لكن صوته كان خائفًا… خائفًا جدًا.
دخلت عزيزة الاشموني مكتب ضابط الشرطه مرفوعة الرأس رغم الارتباك في عينيها.
كانت تُمسك طرف جلبابها بيد ترتعش، لكن صوتها خرج ثابتًا، فيه بقايا كبرياء:
الحلق بتاعي… بس خسرته في رهان مع أبو المكارم.
سألها الضابط:
إمتى الكلام ده؟
نظرت للأرض ثم رفعت رأسها ببطء:
من أسبوعين.
كان في صوتها مرارة امرأة تعرف أن كلمة واحدة قد تحرق اسمها.
دخل أبو المكارم، ظهره مستقيم وشاربه يتحرك بثقة.
وقف أمام الضابط بثبات رجل لا يخشى الاتهامات، وقال:
الكلام صحيح يا حضرة الباشا.
الحلق كان معايا… وكسبته من الست عزيزة.
اقترب منه الضابط:
ودلوقتي؟
ضحك أبو المكارم ضحكة قصيرة وقال بثبات:
النهاردة… الحلق مع واحد بس.
الغربي عمران.
هو اللي كسبه مني… وبقى بتاعه.
كانت كلماته تسقط كسهام في غرفة التحقيق.
تحوّلت الاتهامات تلقائيًا نحو الغربي عمران.
أُفرج عن عزيزة.
وأُفرج عن أبو المكارم.
أما عبدالله… فظل محجوزًا
في مستشفى إمبابة العام كان الصرير يملأ الممرات.
الغربي يجلس بجانب بدران، يضغط على جرحه، يصرخ بالأطباء… يحمل الرجل كأنما يحمل أخًا.
حين فقد بدران الوعي، مد الغربي ذراعه للطبيب:
خدوا دمي… كله… أنقذوا الراجل!
تبرّع له. ثم انهار بعدها مباشرة.
وعندما أفاق… وجد الحديد في معصمه.
اتهامات تنهال عليه:
الغربي حاول يقتل بدران…
الغربي سرق دكان الخواجة…
الغربي… الحلق كان بتاعه!
فتح الغربي عينيه:
أنا اللي أنقذته! مش أنا اللي قتلته!
لكن العقول كانت مقفلة.
وفجأة…
صرخة:
بدران فاق!
اندفع الجميع إلى الغرفة.
فتح بدران شفتيه وصوته يخرج كالرماد:
الغربي… ما قتلش حد…
ولد مزيرق…
هو اللي…!
وانطفأ صوته.
صرخ المأمور: فكّوا الحديد حالًا!
جلس الغربي بجوار السرير:
الحق ما بيموتش…
بس ساعات… بيتوه الطريق.
وخارج الغرفة…
كانت صفارات الشرطة تعلو من جديد.
كأن إمبابة كلها تتنفس سرًّا لم يُكشف بعد.
سرّ بدأ بمفتاح ذهبي…
وتحوّل إلى دمٍ لم يجف.
#الغربي_عمران
#رواية بقلم #فرحات_جنيدي
إلى اللقاء في الفصل السابع

تعليقات
إرسال تعليق