الحلقة الأولى: حين تتحول الإدارة إلى قدر... أسئلة حول اللجنة النوعية للمهرجانات السينمائية
![]() |
| الكاتب والفنان فرحات جنيدي |
هذه السلسلة ليست نقدًا سينمائيًا، فلستُ ناقدًا يملك رفاهية تفصيل المشاهد، وليست تصفية حسابات، فليس لي في سوق المهرجانات "ناقة ولا جمل". أكتب هنا بصفتي أديبًا وروائيًا مصريًا، وشاهد عيان عشق السينما حتى الثمالة، ومواطنًا يؤمن -بكامل قواه العقلية- أن "القوة الناعمة" لمصر ليست مجرد "فسحة" أو "وجاهة اجتماعية"، بل هي درع وسيف، وجزء لا يتجزأ من هيبتها تحت الشمس.
1. شاوشانك... حين يصبح السجن نمط حياة!
في الفيلم الشهير "الخلاص من شاوشانك"، لم تكن الفاجعة في الجدران الإسمنتية العالية ولا الكرباج الذي يلوح به الحراس. الأزمة الحقيقية كانت أعمق وأقرب إلى الكوميديا السوداء؛ الأزمة كانت في "التعود"!
أن يتحول السجن من عقاب ترفضه النفس، إلى "حالة مزاجية" ونظام حياة يتقبله العقل. حين خرج العجوز "بروكس" إلى الحرية بعد عقود خلف القضبان، لم يستطع التنفس خارج الأسوار، فشنق نفسه! لم يكن مسجونًا داخل زنزانة، بل كانت الزنزانة قد استوطنت رأسه.
وهنا مكمن الخطر في عالم الإدارة الثقافية: أخطر السجون هي تلك التي لا أبواب لها، بل تُصنع بدقة من "طريقة إدارة الحياة نفسها"، حيث يصبح المنع هو الأصل، والتوقف هو العادي، والجمود هو الاستقرار!
2. من الشاشة الكبيرة.. إلى الأسئلة الحرجة
حين نتأمل مشهد المهرجانات السينمائية في مصر مؤخرًا، لا نحتاج إلى عدسات مكبرة لنرى العجب. نحن لا نطلق اتهامات مجانية، بل نقف مذهولين أمام طابور من علامات الاستفهام التي تطحن رأس كل مهتم:
كيف تتحول مهرجانات عريقة، كانت ملء السمع والبصر، إلى مجرد "ملفات مركونة" أو مشروعات متعثرة، أو "جنازة" يشبع فيها الجميع لطمًا وجدلًا؟
هل العيب في "الجيوب الفارغة" وشح التمويل؟ أم في "الرؤوس المدبرة" وسوء الإدارة؟
أم أن "السيستم" الإداري الذي يقود هذه المنظومة منذ سنوات أصابه الصدأ، فأصبح يعطل الحركة بدلًا من أن يدفعها للأمام؟
3. اللجنة النوعية... "المايسترو" الصامت في الكواليس!
في عمق هذا المشهد المربك، تقف "اللجنة النوعية للمهرجانات السينمائية" التابعة لوزارة الثقافة. لجنة وُلدت قبل نحو اثني عشر عامًا كـملاك حارس جاء لينظم، ويدعم، ويرسم الخطط الاستراتيجية.
لكن، مع مرور الأيام والسنوات، تحول الملاك الحارس في عيون الوسط الثقافي إلى ما يشبه "المفتش العام" الذي لا يعجبه العجب!
وبدأت الأسئلة تهمس في الممرات:
هل تحولت أداة التنظيم إلى "مقصلة بيروقراطية" تتدخل في مقاس السجادة الحمراء ونوع العصير، وتنسى رعاية الفن نفسه؟ أم أن الأزمة أكبر من مجرد لجنة، وتكمن في تشابك جينات القرار الإداري والمالي والثقافي حتى باتت "الطبخة" بلا طعم؟
هذه ليست أحكامًا قضائية، بل هي صرخة عتاب هادئة لعلّ هناك من يسمع.
4. مهرجانات في ذمة الله... وأخرى في غرفة الإنعاش!
خلال السنوات الأخيرة، تخصصنا في رصد الكوارث؛ مهرجانات تتوقف، وأخرى تؤجل، وثالثة تصارع سكرات الموت. ضربت الأزمات مهرجانات السينما التسجيلية، ومهرجانات الأطفال، وحتى تلك الفعاليات التي كانت تصنع بهجة الهوية الثقافية لمدن مصرية بأكملها.
وفي كل مرة يسقط فيها مهرجان، نخرج ببيان وتبرير. والسؤال الساخر هنا: هل نحن أمام حوادث فردية غامضة قُيدت ضد مجهول؟ أم أننا أمام "منهج علمي صارم" في التعثير يحتاج منّا إلى وقفة ومراجعة شاملة؟
5. القوة الناعمة... حين تختبر الدولة من بوابة "السينما"
القوة الناعمة لا تقاس بـ "الكم" ولا بعدد السهرات والفساتين. القوة الناعمة هي قدرة الدولة على الحفاظ على منصاتها حية، شابة، ومتطورة، وحمايتها من "السكتة الإدارية المفاجئة".
في عالم اليوم، لم يعد المهرجان مجرد شاشة وسجادة حمراء ومصوّرين؛ المهرجان هو واجهة سياسية، وأداة نفوذ دولي، وميدان صراع شرس بين الدول لإثبات الحضور. وهنا يصبح السؤال مؤلمًا وساخرًا في آن واحد: كيف يبدو شكل دولة علّمت المنطقة بأسرها معنى "السينما"، بينما تقف اليوم عاجزة عن حماية مهرجاناتها من التجميد أو التلعثم؟
6. هذه السلسلة... من أجل "السينما" لا ضد أحد
هذه السلسلة لا تفتش في النوايا، ولا تبحث عن معارك شخصية مع أحد، ولسنا هنا لقطع الرقاب. نحن نحاول فقط ممارسة فعل بسيط لكنه أصبح شديد الخطورة في زماننا: أن نفتح الملفات المغلقة لعلنا نجد فيها نورًا.
نريد أن نقرأ القرارات، ونفهم السياق، ونقارن ما يحدث عندنا بما يحدث جهارًا نهارًا في الدول العربية والعالمية من قفزات وتطور. ثم نطرح السؤال الذي يتهرب منه الجميع: ألم يحن الوقت، بعد اثني عشر عامًا من "التجريب"، أن نخضع هذه المنظومة الإدارية لمشرط الجراح؟
ختام الحلقة الأولى
قد تختلفون معي في الإجابة، وقد يرى البعض في هذا الكلام نوعًا من "المشاغبة"، لكن المؤكد أنه لا يملك أحد رفاهية إشاحة بوجهه عن السؤال.
لأن القضايا الثقافية الكبرى لا تموت إذا سكتنا عنها... بل تتضخم خلف الستار، لتتحول إلى غول يبتلع الشاشة والسينما والتاريخ معًا!
يتبع...

تعليقات
إرسال تعليق